حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 611
ولذلك أفرد ذكره، وكذا الكلام في قوله:
وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (6) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (7) وجعل المآت مصدرية يجرد الفعل عن الفاعل ويخل بنظم قوله:
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (8) بقوله: وَما سَوَّاها إلا أن يضمر فيها اسم اللّه للعلم به وتنكير «نفس» للتكثير كما في قوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ [الانفطار: 5] أو للتعظيم والمراد نفس آدم وإلهام
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نعتا نحويا كما يوصف «بالذي» فإن «ما» و «من» الموصولتين لا يوصف بهما بخلاف «الذي» بل المراد أن «ما» قد تستعمل في الصفات، فيقال إذا أريد أن يسأل عن صفة زيد: ما زيد؟
فيجاب عنه بأنه فقيه أو طبيب، وإذا أريد أن يسأل عن ذاته يقال: من هذا؟ والجواب عنه أن يقال: هذا زيد. قوله: (ولذلك أفرد ذكره) أي ولكون المقصود من إيثار «ما» على من الدالة على معنى الوصفية والقدرة الكاملة أفرد ذكر البناء الدال على القادرية وجعل صلة «ما» ليدل عليها، لأن شأن الصلة أن تميز الموصول وتعينه. قوله تعالى: (وَ ما طَحاها) الطحو الدحو وهو البسط، وإبدال الطاء من الدال جائز. قال عطاء والكلبي: بسطها على الماء. وقيل:
طحاها من تحت الكعبة. والنفس إن حملت على الجسد فتسويتها عبارة عن تعديل أعضائها بعضها ببعض كما يشهد به علم التشريح، وإن حملناها على القوة المدبرة فتسويتها تكميل أمرها بإعطائها من القوى ما يتم به جميع أحوالها. وبعض تلك القوى محركة وهي اثنتان:
شهوية وغضبية وبعضها مدركة وهي عشر الحواس: الخمس الظاهرة والخمس الباطنة، وبعضها لا محركة ولا مدركة وهي سبع: الغاذية والنامية والمولدة والجاذبة والهاضمة والماسكة والدافعة. قوله: (وجعل المآت مصدرية يجرد الفعل عن الفاعل) أي يجرد المنوي في «ألهمها» عما يرجع هو إليه فإن المآت التي في قوله: «وما بناها» و «ما طحاها» و «ما سواها» إن كانت مصدرية لا يكون مذكورا إلا السماء والأرض، والنفس وما يتعلق بها من المعاني المصدرية وهي البناء والطحو والتسوية وشيء منها لا يصلح لأن يرجع إليه المنوي في «ألهمها» وقوله: «إلا أن يضمر فيها اسم اللّه للعلم به» استثناء من قوله: «يجرد الفعل عن الفاعل» وإشارة إلى أن سبق الذكر ليس شرطا في إرجاع الضمير إذا كان المرجوع إليه لنباهة شأنه مما لا يغيب عن العقل كقوله: إِنَّا أَنْزَلْناهُ [يوسف: 2؛ الدخان: 3؛ القدر: 1] وقوله: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها [فاطر: 45] . قوله:
(ويخل بنظم قوله فألهمها بقوله وما سواها) وذلك أنه على تقدير أن تكون «ما» مصدرية يلزم عطف الفعل على الاسم لأنه يكون تقدير الكلام حينئذ: ونفس وتسويتها فألهمها. ولا خفاء في ركاكة هذا النظم ويمكن أن يقال: لا بعد في أن تجعل «ما» مصدرية ويكون «فألهمها» عطفا على سواها بأن يكون هو أيضا في تأويل المصدر على معنى وتسويتها فإلهامها فجورها. غاية ما في الباب أن يكون «فألهمها» كالأفعال السابقة وهي بناها وطحاها وسواها