حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 620
إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (20) استثناء منقطع أو متصل من محذوف مثل: لا يؤتى إلا ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة
وَلَسَوْفَ يَرْضى (21) وعد بالثواب الذي يرضيه.
والآيات نزلت في أبي بكر حين اشترى بلالا في جماعة تولاهم المشركون فأعتقهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القدر عند اللّه تعالى لا للرياء والسمعة. قوله: (استثناء منقطع) لأن ابتغاء المرضاة ليس من جنس النعمة التي يجازى عليها فيكون منصوبا على الاستثناء المنقطع، وتكون «إلا» بمعنى لكن أي لكن فعل ذلك ابتغاء وجه ربه أي لابتغاء التوجه إلى ربه. قوله: (أو متصل من محذوف) يدل عليه قوله: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى فإنه يدل على أن المراد لا يؤتى ماله لأمر من الأمور إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى. فعلى هذا يكون المستثنى داخلا في المستثنى منه ويكون الاستثناء متصلا. قوله: (والآيات نزلت في أبي بكر رضي اللّه عنه) هذا ما ذهب إليه جمهور المفسرين. والشيعة ينكرون ذلك ويقولون: إنها نزلت في حق علي بن أبي طالب، ويستدلون عليه بأن قوله تعالى: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ [المائدة: 55] نزلت في حقه فقوله: الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى إشارة إلى ما في تلك الآية. ونحن نقول:
لا يمكن حمل الأتقى المذكور في هذه الآية على علي رضي اللّه عنه لأنه تعالى قال في صفة هذا: (الأتقى وما لأحد عنده من نعمة تجزى) وهذا الوصف لا يصدق على علي رضي اللّه عنه لأنه كان في تربية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أخذه من أبيه وكان يطعمه ويسقيه ويكسوه ويربيه، فكان عليه السّلام منعما عليه بنعمة يجزى عليها. بخلاف أبي بكر فإنه لم يكن لأحد عنده من نعمة دنيوية، نعم كان للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عنده نعمة الهداية والإرشاد إلى الدين إلا أن هذه النعمة لا يجزى عليها لقوله تعالى حكاية عنه عليه السّلام لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا [الأنعام: 90] وآيات أخرى والمذكور ههنا ليس مطلق النعمة بل نعمة تجزى، فظهر أن هذه الآية لا تصلح أن تكون نازلة في حق علي رضي اللّه عنه، فتعين أنها نزلت في أبي بكر لأن الأمة أجمعوا على أن أفضل الخلق وأكرمهم وأتقاهم أبو بكر رضي اللّه عنه. روي أن بلالا كان مولى عبد اللّه بن جدعان فسلح أي تغوط على الأصنام، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، فاطلع المشركون عليه فشكوه إلى عبد اللّه فوهبه لهم ومائة من الإبل ينحرونها لآلهتهم. فأخذوا يعذبونه في الرمضاء أشد العذاب وهو يقول: أحد أحد، فمر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال:
«ينجيك أحد أحد» . ثم أخبر عليه السّلام: «أن بلالا يعذب لأجل دينه» فحمل أبو بكر رطلا من ذهب فابتاعه به فأعتقه. فقال المشركون: ما فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت لبلال عنده.
فنزل قوله تعالى: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وقال ابن الزبير وهو على المنبر: كان أبو بكر يشتري الضعفة من العبيد فيعتقهم فقال أبوه: يا بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك فقال: يمنع ظهري ربه. فنزلت هذه الآية. ثم وعده اللّه بأن