حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 629
فَإِذا فَرَغْتَ من التبليغ فَانْصَبْ (7) فاتعب في العبادة شكرا لما عددنا عليك من النعم السابقة ووعدنا بالنعمة الآتية. وقيل: فإذا فرغت من الغزو فانصب في العبادة، أو فإذا فرغت من الصلاة فانصب بالدعاء.
وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8) بالسؤال ولا تسأل غيره فإنه القادر وحده على إسعافه وقرئ «فرغب» أي فرغب الناس إلى طلب ثوابه. عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم: «من قرأ سورة ألم نشرح فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني» .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الجملة الثانية مستأنفة بأن العسر المذكور أولا متبوع بيسر آخر، فإن الاسم إذا ذكر معرفا ثم أعيد معرفا كان الثاني عين الأول فيكون العسر واحدا مع كونه مذكورا مرتين. وذلك العسر إما العسر المعهود الذي كانوا فيه أو جنس العسر الذي يعلمه كل واحد، والنكرة إذا أعيدت مع الألف واللام كان الثاني عين الأول أيضا كما في قوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ [المزمل: 15، 16] وإذا أعيدت نكرة لا يلزم أن يكون الثاني عين الأول و «يسرا» الثاني ههنا منكر فيحتمل أن يكون عين الأول. والحال أن العسر الثاني أيضا هو العسر الأول فيكون قوله تعالى: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا تكريرا للأول وتأكيدا له وأن يكون غيره فيكون الثاني كلاما مستأنفا مفيدا لأن يكون مع عسر واحد يسران. وهذا الاحتمال أرجح لما علم من فضل التأسيس على التأكيد وكلام اللّه تعالى ينبغي أن يحمل على أبلغ الاحتمالين وأوفاهما، والمقام مقام التسلية والتنفيس والحمل عليه أولى. روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: يقول اللّه تعالى: خلقت عسرا واحدا وخلقت يسرين، فلن يغلب عسر يسرين. وكل هذا يؤيد كون الجملة الثانية كلاما مستأنفا. قوله تعالى: (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) جواب شرط محذوف أي إذا تقرر عندك ما عددناه عليك وما وعدناه لك من النعم فاتعب في العبادة إذا فرغت من التبليغ شكرا لذلك، فإن الشكر يربط البعيد ويجلب المزيد. والنصب التعب يقال: نصب في الشيء ينصب من باب علم أي تعب فيه. وروي أن شريحا مر برجلين يتصارعان فقال: ما أمر اللّه بهذا إنما قال: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ يعني أنه تعالى أمر أن يواصل بين بعض العبادات وبعضها وأن لا يخلي وقتا من أوقاتها منها فإذا فرغ من عبادة أتبعها بأخرى. قوله: (ولا تسأل غيره) الحصر مستفاد من تقديم الظرف. تمت سورة ألم نشرح لك والحمد للّه وحده والصلاة والسّلام على من لا نبي بعده.