حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 631
يعني الجبل الذي ناجى عليه موسى عليه السّلام ربه وسينين وسيناء اسمان للموضع الذي فيه
وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) أي الآمن من أمن الرجل أمانة فهو أمين أو المأمون فيه يأمن فيه من دخله، والمراد به مكة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: الطور الجبل وسينين الجسر بلغة الحبشة. وعن مجاهد:
سينين المنازل. وقال الكلبي: هو الجبل ذو الشجر. وقال مجاهد ومقاتل: كل جبل ذي شجر مثمر سينين وسيناء بلغة النبط. قوله: (من أمن الرجل) يأمن بضم الميم فيهما فهو أمين أي آمن بمعنى ذي أمن وهو الأمانة يقال: أمنت فأنا آمن، فالأمين فعيل بمعنى فاعل، وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. قوله: (أو المأمون فيه) عطف على قوله: «أي الآمن» فالأمين فعيل بمعنى المفعول فيه كالمشترك بمعنى المشترك فيه. أقسم اللّه تعالى بهذه الأشياء لأنه شرفها وبركها ولأنها مساكن الأنبياء والصالحين ومهاجر إبراهيم ومولد إسماعيل عليه الصلاة والسّلام، ومنشأه بمكة موضع البيت العتيق ومولد خير الأنبياء ومبعثه وجواب القسم قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ أي تعديل لشكله وصورته وتسوية لأعضائه. فإن التقويم تيسير الشيء على ما ينبغي أن يكون عليه في تأليف الأجزاء وتعديل الأعضاء والهيئات والأشكال، وتكميله بالقوى الباطنة التي يتوسل بها إلى الفضائل العلمية والآداب والأخلاق المرضية يقال: قومه تقويما فاستقام وتقوم. روي أن ملكا من الملوك خلا بزوجته في ليلة قمراء فقال لها: إن لم تكوني أحسن من القمر فأنت كذا.
فأفتى الكل بالحنث إلا يحيى قال: لا يحنث. فقال الملك: خالفت شيوخك. فقال:
الفتوى بالعلم لا بكبر السن، ولقد أفتى من هو أعلم منا وهو اللّه تعالى فقال: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وكان بعض الصالحين يقول: إلهنا أعطيتنا في الأولى أحسن الأشكال فأعطنا في الآخرة أحسن الفعال. وهو العفو عن الذنوب والتجاوز عن العيوب.
وقيل: كان عيسى بن موسى الهادي يحب زوجته حبا شديدا فقال لها يوما: أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن من القمر. فنهضت واحتجبت وقالت: طلقتني. فباتا بليلة عظيمة. فلما أصبح عدا إلى دار المنصور فأخبر الخبر وأظهر له جزعا عظيما، فاستحضر المنصور فقهاء زمانه واستفتاهم فقال جميع من حضر: قد طلقت، إلا رجلا من أصحاب أبي حنيفة رضي اللّه عنه، فإنه كان ساكتا فقال المنصور: ما لك لا تتكلم؟ فقال: بسم اللّه الرحمن الرحيم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ إلى قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثم قال: يا أمير المؤمنين فالإنسان أحسن المخلوقات ولا شيء أحسن منه فلم تطلق امرأة الرجل. فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال الرجل فأقبل على زوجتك وأرسل إلى زوجته: أن أطيعي زوجك ولا تعصيه فما طلقك.