حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 637
خَلَقَ الْإِنْسانَ أو الذي خلق الإنسان فأبهم أولا ثم فسر تفخيما لخلقه ودلالة على عجيب فطرته. مِنْ عَلَقٍ (2) جمعه لأن الإنسان في معنى الجمع. ولما كان أول الواجبات معرفة اللّه تعالى نزل أولا ما يدل على وجوده وفرط قدرته وكمال حكمته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مفعول ويكون تعلقه به مرادا إلا أنه حذف قصدا للتعميم. ولما ورد أن يقال: لما حكم بأنه تعالى خلق كل شيء فقد علم أن خلق الإنسان في جملة ما خلق، فلم أفرد بالذكر بعد ذلك التعميم؟ أجاب عنه بقوله: «ثم أفرد ما هو أشرف» يعني أن كثيرا ما يفرد ذكر الخاص بعد العام إظهارا لشرفه كما خص جبريل بالذكر بعد ذكر الملائكة للدلالة على أنه لغاية شرفه صار كأنه حقيقة منفردة خارجة من عداد ما سبق، ولأن المقصود من توصيفه تعالى بالخالقية تعليل الأمر بالقراءة التي في معنى الأمر بالعبادة فقوله: «الذي خلق كل شيء» وإن كان كافيا في بيان كونه تعالى مستحقا للعبادة لأن خالق الأشياء كلها يجب أن يعبد ويعظم إلا أن التعرض لكونه تعالى خالقا للإنسان بخصوصه أدل على وجوب العبادة المقصودة من القراءة.
قوله: (أو الذي خلق الإنسان) وجه ثالث لعدم ذكر مفعول «خلق» الأول أي ويجوز أن يقدر له مفعول خاص ابتداء إلا أنه أبهم أولا، ثم فسر بقوله: خَلَقَ الْإِنْسانَ تفخيما لخلق الإنسان، فإن هذا الأسلوب إنما يكون فيما يقصد تفخيم شأنه. قوله: (جمعه) فإن علق جمع علقة كثمر وثمرة، والعلقة الدم الجامد وما لا يكون جامدا فهو المسفوح، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد إلى الآحاد. فأفاد أنه تعالى خلق كل فرد من أفراد الإنسان من علقة على حدة. قوله: (نزل أولا ما يدل على وجوده) فإنه تعالى لما أراد أن يبعثه رسولا إلى المشركين كان الظاهر أن يقال: اقرأ باسم ربك الذي لا شريك له إلا أنه لو قيل ذلك لأبوا أن يقبلوا ذلك لاستحكام اعتقاد الشرك عندهم. فدبّر سبحانه وتعالى لأجل أن يسمعوا كلامه بأن قدم لهم ما يدل على وجوده وفرط قدرته وكمال حكمته حيث وصف نفسه بما لا سبيل لهم إلى إنكاره. فإنه لا يمكنهم أن ينكروا كونهم مخلوقين من علق، ولا ينكروا أن ذلك الخلق لا بد له من خالق، ولا أن يدعوا أن ذلك الخالق هو الصنم لعلمهم بأن الصنم لا يخلق شيئا، ومن المعلوم بداهة أن ما لا يخلق شيئا لا يصلح إلها. فهذا الأسلوب يستلزم اعترافهم بوجود إله قادر حكيم فهو أسلوب لطيف في إلزام المشركين ودعوتهم إلى التوحيد. ونظيره ما يحكى أن زفر لما بعثه أبو حنيفة إلى البصرة لتقرير مذهبه فيهم فوصل إليهم وذكر أبا حنيفة منعوه من ذكره اكتفاء بأئمتهم واستغنائهم بهم عنه، ولما لم يلتفتوا إليه ولم يسمعوا به رجع إلى أبي حنيفة وأخبره بذلك فقال له أبو حنيفة: إنك لم تعرف طريق التبليغ لكن ارجع إليهم واذكر في المسألة أقاويل أئمتهم ثم بين ضعفها ثم قل بعد ذلك ههنا قول آخر فاذكر قولي وحجتي فإذا تمكن ذلك في قلبهم فقل هذا قول أبي