حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 654
عزير ابن اللّه كما تقول النصارى: المسيح ابن اللّه، واشترك الجميع في تحريف كتاب اللّه تعالى ودينه وسائر ما يوجب الكفر قبل بعثة سيد المرسلين صلّى اللّه عليه وسلّم. وقيل: المراد من الكفر ههنا هو الكفر بنبينا، والمعنى: لم يكن الذين كفروا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم منفكين من اليهود والنصارى الذين هم أهل الكتاب، ولم يكن المشركون من العرب وغيرهم وهم الذين ليس لهم كتاب منفكين أي منفصلين زائلين وفيه أنه يبعد أن يقال: لم يكن الذين كفروا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم منفكين عما هم عليه حتى يأتيهم محمد ولا وجه للكفر بمن لم يبعث بعد ولم يعلم خبر بعثته. قوله: (ومن للتبيين) لأن كونها للتبعيض يستلزم أن يكون البعض من المشركين كافرا والبعض الآخر غير كافر، لأن تقدير الآية يكون حينئذ: لم يكن الذين كفروا بعض أهل الكتاب وبعض المشركين. فينبغي أن تكون للتبيين بأن يذكر جنسا الكفار بقوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُوا على الإجمال، ثم يفصل ذلك المجمل بقوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ أخبر اللّه تعالى أنهم قد اتفقوا على ما كانوا عليه من دينهم أو خبر الوعد باتباع الحق إذا جاءهم الرسول إلى أن تأتيهم البينة، وكلمة «حتى» تقتضي أن ينتهي الاتفاق المذكور عند إتيان البينة بأن يحدث منهم الاختلاف والتفرق عند إتيانها لأن حكم ما بعد كلمة الغاية يكون مخالفا لحكم ما قبلها لوجوب انتهاء الحكم المذكور قبلها عند تحقق الغاية، فذلك قوله تعالى: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ [البينة: 4] جعل كل واحد من الرسول والقرآن بينة إما لكونه حجة مبينة لنبوته عليه الصلاة والسّلام باعتبار كونه معجزة فإنه عليه الصلاة والسّلام معجز بأخلاقه الزاكية حيث بلغ فيها إلى أقصى درجات الكمال وأعجز الحكماء المهذبين عن أن يتشبهوا به في شيء من مكارم أخلاقه، وكذا القرآن أعجز فصحاء العرب عن أن يأتوا بسورة من سوره فقوله: «أو معجزة الرسول» من إضافة الصفة إلى موصوفها أي الرسول المعجز بأخلاقه العظام والقرآن المعجز بإفحامه من تحدى به أي بإسكاته من طلب منه أن يأتي بمثله يقال: فحم الصبي يفحم بفتح الحاء فيهما فحوما وفحاما إذا بكى حتى ينقطع صوته، وكلمته حتى أفحمته أي أبكيته في خصومة أو غيرها، ويقال: تحديثه إذا باريته أي أعرضته في فعله ونازعته الغلبة.
قوله: (بدل من البينة بنفسه) على أن يكون المراد بالبينة الرسول باعتبار كونه مبينا للحق أو كونه معجزا بأخلاقه. قوله: (أو بتقدير مضاف) على تقدير أن يكون المراد بالبينة القرآن المبين للحق أو المبين لنبوته عليه الصلاة والسّلام باعتبار إعجازه، والتقدير: وحي رسول أو كتاب رسول.