حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 672
التَّكاثُرُ (1) التباهي بالكثرة
حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (2) إذا استوعبتم عدد الأحياء صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات. عبّر عن انتقالهم إلى ذكر الموتى بزيارة المقابر. روي أن عبد مناف وبني سهم تفاخروا بالكثرة فكثرهم بنو عبد مناف فقال بنو سهم: إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات فكثرهم بنو سهم، وإنما حذف الملهى عنه وهو ما يعنيهم من أمر الدين للتعظيم والمبالغة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن جعلها معرضة عنه من لوازم كونها منصرفة إلى اللهو. قوله: (التباهي بالكثرة) أي بكثرة الأعداد والعشائر كما يدل عليه سبب النزول، فتعريف التكاثر للعهد والمعهود التكاثر في الأمور الدنيوية الفانية، فالآية تقريع لهم على سوء فعلهم حيث اشتغلوا بما لا يعنيهم عن أمر الدين والآخرة والعمل لها. قوله: (إذا استوعبتم عدد الأحياء صرتم) أي انتقلتم إلى ذكر الأموات والتكاثر بهم يعني أن قوله تعالى: حَتَّى زُرْتُمُ غاية لقوله: أَلْهاكُمُ وأنه عطف عليه أي شغلكم التباهي والتفاخر بكثرة الأعوان حتى انتقلتم إلى ذكر الأموات بعد أن استقصيتم في ذكر الأحياء. شبّه الانتقال إلى ذكر الموتى بزيارة القبور فعبّر بها عنه تهكما بهم فإن التفاخر بالمواضع التي تدفن فيها الأموات غاية الجهالة، لأن من فنى وصار بحيث يعبّر عنه بالمقبرة كيف يصلح لأن يفتخر به؟ وفي هذا التعبير أيضا تعريض لهم بأنهم عكسوا الأمر من حيث إن المقصود من زيارة المقابر تذكر الموت والإعراض عن الدنيا والمباهاة بها، فمن توسل بزيارتها إلى المباهاة بالدنيا فقد عكس الأمر وتردّى في وادي الجهالة والضلالة. قوله:
(فكثرهم بنو عبد مناف) أي غلبوهم بالكثرة من قولهم: كاثرناهم فكثرناهم أي غلبناهم بالكثرة، على ما ذكر في باب المغالبة أنهم إذا أرادوا الإخبار بالغلبة في فعل نقلوا الأفعال اللازمة من باب فعل بضم العين إلى باب نصر ويذكرونه بعد فاعل مسندا إلى الغالب فيه نحو: كارمني زيد فكرمته أي غالبني في الكرم فغلبته فيه، ومثله: كاثرناهم فكثرناهم. فلما غلب بنو عبد مناف على بني سهم بالكثرة قال بنو سهم: إن البغي أهلكنا- أي أن بغي الأعداء والقتال معهم أهلكنا- فعدوا مجموع أحيائنا وأمواتنا مع مجموع أحيائكم وأمواتكم.
ففعلوا ذلك فزاد بنو سهم. فنزلت الآية. والمقابر جمع مقبرة ومقبرة بضم الباء وفتحها، والقبور جمع قبر وهو مصدر قبرت الميت أقبره وأقبره قبرا أي دفنته في المقبرة، وأقبرته أي أمرت بأن يقبر. قوله: (وإنما حذف الملهى عنه) ضمير عنه راجع إلى الألف واللام في الملهى والمعنى وإنما حذف الذي ألهى عنه، وعلل الحذف بعلتين: الأولى تعظيم الملهى عنه وهو ما يعنيهم من أمر الدين فإن حذف الشيء قد يجعل ذريعة إلى تعظيمه فإن الحذف بمنزلة التنكير من حيث إن كل واحد منهما يفيد الإبهام فكما أن التنكير يفيد التعظيم فكذا ما هو بمنزلته، فكأنه قيل: ألهاكم التكاثر عن أمر عظيم وهو ما يعنيكم من أمر الدين. والعلة