حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 686
كَيْفَ ولم يقل «ما» لأن المراد تذكير ما فيها من وجوه الدلالة على كمال علم اللّه وقدرته وعزة نبيه وشرف رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، فإنها من الإرهاصات إذ روي أنها وقعت في السنة التي ولد فيها الرسول عليه الصلاة والسّلام. وقصتها أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى بيعة بصنعاء وسماها القليس وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلا فأغضبه ذلك فحلف ليهد من الكعبة فخرج بجيشه ومعه فيل قوي اسمه محمود وفيلة أخرى فلما تهيأ للدخول وعبأ جيشه قدم الفيل وكان كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى جهة أخرى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عند أم هانئ نحو قفيز منها وهي مخططة بخمرة كالجزع الظفاري. وعن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت: رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان. وكان عبد المطلب جد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأبو مسعود الثقفي يشاهدان من فوق الجبل عسكر أبرهة الأشرم حين رماهم الطير بالحجارة فهلكوا فقال عبد المطلب لصاحبه: صار القوم بحيث لا يسمع لهم ركز، فانحطا من الجبل فدخلا العسكر وإذا هم موتى فجمعا من الذهب والجواهر وحفر كل واحد منهما لنفسه حفرة وملأها من المال وكان ذلك سبب غناهما. وهذا كله من آثار تلك الواقعة التي شاهدها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فحصل له بذلك علم ضروري بما يؤدي إلى العيان فكأنه تعالى قال: ألم تعلم يا محمد بالأخبار المتواتر المؤيدة بمشاهدة الآثار علما يوازي العيان في الإيقان.
قوله: (لأن المراد تذكير ما فيها من وجوه الدلالة الخ) يعني أن الأشياء لها ذوات ولها هيئات ولها كيفيات باعتبارها تدل على مدلولاتها. وكلمة «ما» تدل على الأولى و «كيف» على الثانية، والمقصود في هذا المقام ليس نفس تذكير ما فعل بهم من الإهلاك لأنه باعتبار نفسه لا يدل على كمال علمه تعالى وقدرته وعزة نبيه وشرف رسوله، وإنما يدل عليه باعتبار ما فيه من وجوه الدلالة وكيفيات الإهلاك فلذلك اختير ما يدل على الكيفيات على ما يدل على نفس الذوات. قوله: (فإنها من الإرهاصات) بيان لوجه دلالتها على شرف نبيه عليه الصلاة والسّلام. والإرهاصات هي الخارقة للعادة الجارية على يد نبي قبل بعثته وقبل التحدي، مأخوذ من الرهص بكسر الراء وهو الصف الأسفل من أحجار الحائط، فإنه يجوز عندنا تقدم خوارق العادة على زمان البعثة تأسيسا للنبوة وتقدمه عليها كإظلال الغمام وتكلم الحجر والمدر لنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم قبل البعثة ودعوى النبوة، ومن هذا القبيل إهلاك من قصد تخريب الكعبة المعظمة حال كونها موضع الشرك وعبادة الأوثان إذ فيه دلالة على بعثة من يعظم البيت ويطهره من الرجس والأوثان ويدعو الناس إلى عبادة الرحمن، لأن تعظيم البيت ليس لكونه موضع الشرك والعصيان بل لكونه بناء خليل الرحمن بناه لتأتي إليه الناس أفواجا من