حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 687
هرول. فأرسل اللّه طيرا كل طير في منقاره حجر وفي رجليه حجران أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة، فرمتهم فيقع الحجر على رأس الرجل فيخرج من دبره فهلكوا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كل فج عميق طائفين وعاكفين وراكعين وساجدين ومكبرين ومهللين مخلصين له الدين، وقد جعله اللّه تعالى في علمه الأزلي مولد سيد المرسلين ومسكنه إلى أن هاجر منه بأمر رب العالمين ومهبط ما يوحى إليه وقبلة أمته إلى يوم القيامة، فكان لذلك عتيقا عن استعلاء الظلمة عليه وتخريبهم إياه. فكان إهلاك أصحاب الفيل من جملة الإرهاصات الدالة على شرفه ونبوته عليه الصلاة والسّلام فإن أبرهة لو سلط على مكة وسبى أهلها وقتلهم وخرب ما فيها من البيت لاختل ما قدره اللّه تعالى من الأمور المتعلقة بها. والشرم الشق يقال: شرمه أي شقه، وسمي أبرهة بن الصباح أشرم لأنه كان مشقوق الأنف والشفة، وسببه أن أباه ضربه بحربة فهشم أنفه وجبينه، أو سببه أن أرباطا ضربه بالسيف فشرم أنفه وشفته فجاء غلام أبرهة من خلفه فقتله. وأصحمة اسم النجاشي ملك الحبشة وكان أصحمة قد لبث فيها زمان، ثم نازعه رجل من الحبشة إلى أرض اليمن فغلب عليها واستقر أمره فيها زمانا، ثم نازعه رجل من الحبشة يقال له أبرهة بن الصباح فتفرقت الحبشة فرقتين: فكانت فرقة مع أرباط وفرقة مع أبرهة، فكان الأمر على ذلك إلى أن قتل أبرهة أرباطا. واجتمعت الحبشة من أعوان أرباط لأبرهة وغلب على اليمن كلها وأقره النجاشي على عمله. ثم إن أبرهة رأى الناس يتجهزون أوان الموسم إلى مكة لحج البيت الحرام فبنى كنيسة بصنعاء لم يبن لملك مثلها وسمّاها القليس وأراد أن يصرف إليها حج العرب ووجوههم، فسمع بها رجل من كنانة فخرج إليها فدخلها ليلا فقعد فيها إلى أن قضى حاجته ولطخ بالنجاسة قبلتها، فبلغ ذلك أبرهة فقال: من اجترأ على هذا؟ فقيل: لعل ذلك فعل رجل من أهل مكة سمع بالذي قلت في حق البيت الذي يعظمونه. فحلف أبرهة عند ذلك ليهد من الكعبة. وقيل: أججت- أي أشعلت- رفقة من العرب نارا فحملتها الريح فأحرقتها فحلف ليهد من الكعبة، فخرج بالحبشة ومعه فيل اسمه محمود وكان قويّا عظيما وثمانية أخر. وقيل: اثنا عشر. وقيل: ألف. فلما بلغ المغمس وهو موضع بقرب مكة بينه وبين مكة ميل خرج إليه عبد المطلب وعرض عليه ثلث أموال تهامة ليرجع فأبى وعبأ أي هيأ جيشه وقدم الفيل، فكانوا كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح وإذا وجهوه إلى اليمن وإلى سائر الجهات هرول أي أسرع في المشي. ثم إن أبرهة كان قد أخذ لعبد المطلب مائتي بعير فخرج إليه في حق تلك المائتين من العير فعظم في عين أبرهة وكان رجلا جسيما وسيما. وقيل له: هذا سيد قريش وصاحب عير مكة. فلما ذكر حاجته قال له أبرهة: سقطت من عيني جئت لأهدم البيت الذي هو دينك ودين آبائك فألهاك عنه ذود أخذ منك. فقال: أنا رب الإبل وللبيت رب يمنعه. وأمر قريشا أن يتفرقوا