حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 688
جميعا. وقرئ «ألم تر» جدا في إظهار أثر الجازم وكيف نصب بفعل لا بتر لما فيه من معنى الاستفهام.
أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ في تعطيل الكعبة وتخريبها. فِي تَضْلِيلٍ (2) في تضييع وإبطال بأن دمرهم وعظم شأنها.
وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ (3) جماعات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الجبال والشعاب تخوفا عليهم من مضرة الجيش ففعلوا. ثم خرج من عنده وأتى البيت وأخذ بحلقته وجعل يقول:
يا رب لا أرجو لهم سواكا ... يا رب فامنع عنهمو حماكا
إن عدو البيت قد عاداك ... فامنعهمو أن يخربوا قراكا
فالتفت وهو يدعو وإذا بطير من نحو اليمن فقال: واللّه إنها لطير غربية ما هي بجرية ولا بنجدية ولا تهامية. وكان مع كل طير حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة، فكان الحجر يقع على رأس الرجل فيخرج من دبره، وعلى كل حجر اسم من يقع عليه فهلكوا في كل طريق وسهل. ودوى أبرهة أي أصابه داء ومرض فتساقطت أنامله وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه أي انشق صدره وخرج قلبه منه.
وانفلت وزيره أبو مكتوم وطائر يحلق خلفه فوقه حتى بلغ النجاشي فقص عليه القصة فلما أتمها وقع عليه الحجر فخر ميتا بين يديه. أرى اللّه تعالى النجاشي كيف كان هلاك قومه عيانا كما سمع إخبارا.
قوله: (وقرئ ألم تر) أي بسكون الراء جدا في إظهار أثر الجازم فإن سقوط الألف يكفي في ظهور أثره وإسكان الراء بعد سقوط الألف جدا في إظهار أثر الجازم، وهذا الجد إنما يليق بالشعر وكلام من أحوجته الضرورة إلى العدول عن العبارة الفصيحة ولا يليق بفصاحة القرآن. و «كيف» منصوب بقوله: «فعل» لا بقوله: «تر» لأن كيف فيه معنى الاستفهام وله صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله. والكيد إرادة المضرة بالغير على سبيل الخفية فإنهم كادوا للبيت أو لأبناء القليس وإرادة صرف وجوه الحاج إليه، فضلل كيدهم بإيقاد الحريق فيه. وكادوه ثانيا بإرادة هدمه فضلله بإرسال الطير عليهم. فإن قيل: إنما سماه كيد وهو كان لا يخفي ما أراده من المضرة بالبيت بل كان يصرح بأنه إنما يريد هدم البيت وتخريبه.
فالجواب: أنه وإن كان يظهر أن مقصوده هدم البيت وإضراره انتقاما ممن قعد في كنيسته إلا أن الذي كان يضمره في قلبه هو الحسد للعرب. فإن أصل مقصوده من هدم البيت أن يصرف عنهم الشرف الحاصل لهم بسبب الكعبة إلى نفسه وإلى كنيسته وبلدته فكان هدمه كيدا في حق العرب. قوله تعالى: (وَ أَرْسَلَ) عطف على قوله: أَلَمْ يَجْعَلْ لأن الاستفهام فيه للتقرير فكان المعنى: قد جعل ذلك وأرسل. وأبابيل صفة «لطيرا» أي جماعات متفرقة