حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 695
ويؤيده أنهما في مصحف أبي سورة واحدة. وقرئ «لإلاف قريش إيلافهم» وقرئ «ليألف قريش إلفهم رحلة الشتاء» . وقريش ولد النضر بن كنانة منقول من تصغير قرش وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن ولا تطاق إلا بالنار شبهوا بها لأنها تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى. وصغر الاسم للتعظيم وإطلاق الإيلاف ثم إبدال المقيد منه للتفخيم.
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ بالرحلتين والتنكير للتعظيم. وقيل: المراد به شدة أكلوا فيها الجيف والعظام. وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) خوف أصحاب الفيل أو التخطف في بلدهم ومسايرهم، أو الجذام فلا يصيبهم ببلدهم.
قال عليه السّلام: «من قرأ سورة لإيلاف أعطاه اللّه عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة واعتكف بها» .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
احتجاجا بما روي أن أبي بن كعب جعلهما سورة واحدة في مصحفه، وبما روي أن عمر رضي اللّه عنه قرأ في الركعة الأولى من صلاة المغرب بسورة و «التين» وفي الثانية «ألم تر» و «لإيلاف قريش» من غير أن يفصل بينهما بقوله: «بسم اللّه الرحمن الرحيم» . وأما على ما ذهب إليه الأكثرون وهو أن تكون كل واحد منهما سورة منفصلة عن الأخرى، فوجه سقوطه على مذهبهم أن تعلق أول هذه السورة بما قبلها لا ينافي استقلالها عن الأولى لأن القرآن كله كالسورة الواحدة أو كالآية الواحدة يصدق بعضها بعضا ويبين بعضها بعضا. وقولهم: إن أبيا رضي اللّه عنه لم يفصل بينهما معارض بإطباق الكل على الفصل بينهما.
قوله: (وقرئ ليألف قريش إلفهم) على لفظ أمر الغائب باللام. قوله: (بالرحلتين) إشارة إلى أن المراد بالجوع هو المجاعة الشديدة التي حملهم هاشم على الرحلتين بسببها لا المجاعة التي أصابتهم بدعوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين كذبوه وهي قوله: «اللهم اشدد وطأتك عليهم واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» فاشتد عليهم القحط حتى أكلوا الجيف والعظام المحترقة فقالوا: يا محمد ادع لنا فإنا مؤمنون. فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لهم فأخصبت البلاد وأخصب أهل مكة بعد القحط. وهذا الإطعام لم يحصل بالرحلتين بل بدعوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: و «من» على بابها أي أطعمهم من أجل جوع شديد كانوا فيه قبل الرحلتين. وقيل:
بمعنى بعد أي أطعمهم بعد الجوع الذي أصابهم. عن سيبويه قال: الفرق بين «عن» و «من» أن «عن» تقتضي حصول جوع قد زال بالإطعام و «من» تقتضي المنع من مخافة الجوع، والمعنى على هذا: أطعمهم فلم يلحقهم جوع وآمنهم فلم يلحقهم خوف. فتكون «من» لابتداء الغاية والمعنى: أطعمهم من بدء جوعهم قبل لحاقه إياهم وآمنهم من بدء خوفهم قبل اللحاق.