حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 694
والفاء لما في الكلام من معنى الشرط إذ المعنى أن نعم اللّه عليهم لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لأجله.
إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (2) أي الرحلة في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام فيمتارون ويتجرون، أو بمحذوف مثل أعجبوا، أو بما قبله كالتضمين في الشعر أي جعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله تعالى: (إِيلافِهِمْ) بدل من الأول وانتصاب «رحلة» على أنه مفعول به للمصدر كما نصب يَتِيمًا [البلد: 15] بقوله: أَوْ إِطْعامٌ [البلد: 14] فيكون الإيلاف مصدرا من المبني للمفعول مضافا إلى مفعوله الأول، وأطلق عن مفعوله الثاني حيث لم يقيد بتعلقه به.
ثم جعل المقيد به بدلا من ذلك المطلق تفخيما لأمر الإيلاف وتذكيرا لعظم المنة فيه لكونه نعمة عظيمة كما تقول: عجبت من إحسانك إحسانك إلى زيد. قوله: (والفاء لما في الكلام من معنى الشرط) جواب عما يقال: كون اللام متعلقة بقوله: «فليعبدوا» يستلزم أن يتوسط فاء التعقيب بين العامل ومعموله ولا وجه له. وتقرير الجواب: أن قوله: «فليعبدوا» مع ما في حيزه جواب شرط محذوف. غاية ما في الباب أنه قدم عليه معموله لإفادة الحصر ولزم منه توسط الفاء بينهما صورة ولفظا. والرحلة بكسر الراء الارتحال، وبالضم الجهة التي يرتحل إليها. وأصل الرحلة السير على الراحلة وهي الناقة القوية، ثم استعمل في كل سير وارتحال.
قوله: (فيمتارون) أي يحملون الميرة وهي الطعام. قوله: (أو بمحذوف) أي ويجوز أن لا تكون اللام متعلقة بقوله: «فليعبدوا» بأن تكون متعلقة بمحذوف مثل أعجبوا. قال الإمام محيي السنة في تفسيره حاكيا عن الكسائي والأخفش: اللام في قوله تعالى: «لِإِيلافِ» هي لام التعجب كأنه قيل: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف وتركهم عبادة رب هذا البيت! ثم أمرهم بعبادته فقال: فَلْيَعْبُدُوا وهذا كما تقول لزيد: وإكرامنا إياه! على وجه التعجب أي اعجبوا لزيد. والعرب إذا جاءت بهذه اللام اكتفت بها دليلا على التعجب من غير إظهار فعل التعجب. إلى هنا كلامه. ووجه التعجب أنه تعالى سهل لهم طريق معاشهم وحفظهم في أسفارهم إلى مواضع تجاراتهم من أن يتعرض لهم قطاع الطريق كما يتعرضون لسائر المسافرين مع إصرارهم على الشرك وعبادة الأوثان، والظاهر على هذا الوجه أن يكون قوله تعالى: فَلْيَعْبُدُوا معطوفا على مقدر أي لينتهوا عن هذا الكفر فليعبدوا. قوله:
(كالتضمين في الشعر) وهو أن يتعلق معنى البيت بالبيت الذي قبله تعلقا لا يصح المعنى إلا به، وكون هذه اللام متعلقة بما قبلها كذلك لأن المعمول يتوقف في تمام معناه على عامله وعلى تعلقه به، فإن قيل: تغاير البيتين ليس كتغاير السورتين، فإن حق كل سورة أن تكون مستقلة بنفسها، ولا يتعلق ما في أحد السورتين بما في الأخرى فكيف جاز أن تتعلق هذه اللام بما في السورة المتقدمة؟ قلنا: السؤال ساقط على مذهب من يقول: إنهما سورة واحدة