فهرس الكتاب

الصفحة 5486 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 693

لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (1) متعلق بقوله: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ [قريش: 3]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ودمت عليه، فمعنى الآية: لإلف قريش هاتين الرحلتين ولزومهم إياهما وثباتهم عليهما بحيث إذا فرغوا من إحداهما أخذوا في الأخرى وبالعكس. والظاهر على هذا المعنى أن تكون اللام في قوله تعالى: لِإِيلافِ متعلقة بما قبلها والتقدير: فعل ربك بأصحاب الفيل ما فعل من تضليل كيدهم وتضييعه وإرسال الطير الأبابيل عليهم وجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش بالرحلتين وبقائهم عليهما. فإنه لو تم للحبشة ما عزموا عليه من هدم الكعبة وتخريبها لما أمكن لهم أن يثبتوا على ما ألفوه من الرحلتين اللتين يتوقف عليهما انتظام أمر معاشهم، فإن أهل مكة ليس لهم زرع ولا ضرع فليس لهم طريق معاش سوى التجارة، وأنها إنما تتأتى لهم بسبب أن ملوك تلك النواحي كانوا يعظمونهم ويقولون: هؤلاء جيران بيت اللّه وسكان حرمه، فكانوا بذلك آمنين في أسفارهم لا يتخطفون ولا يتعرض لهم في نفوسهم ولا في أموالهم. فلو لم يفعل اللّه تعالى بأصحاب الفيل ما فعل بهم ومكنهم من هدم الكعبة لزال عن أهل مكة هذا العز والشرف، وانقطع عنهم تعظيم الملوك واحترامهم إياهم، ولصار سكان مكة كسكان سائر البلاد يتخطفون من كل جانب بسلب أموالهم وقتل نفوسهم. فلما أهلك اللّه تعالى أصحاب الفيل ازداد رفع قدر أهل مكة وهيبتهم في القلوب فاستمروا وداموا على ما ألفوا به من رحلتهم في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام. والظاهر أن الإيلاف ليس بمعنى الإلف بل همزة آلف إنما زيدت لتعدية الفعل منه إلى المفعولين والأصل ألفت الشيء وآلفته غيري بمعنى لزمته وألزمته غيري، كأنه تعالى قال: فعلنا ذلك بأصحاب الفيل لنؤلف قريشا رحلتيها ولنبقيهم على ما ألفوا به. روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه قال: كان السبب في الفهم بالرحلتين أن قريشا كانوا إذا أصاب واحدا منهم مخمصة خرج هو وعياله إلى موضع وجنوا على أنفسهم جناية حتى يموتوا، وكانوا على ذلك إلى أن جاء هاشم بن عبد مناف وكان سيد قومه فقام خطيبا في قريش فقال: إنكم أحدثتم حدثا تغلون فيه وتزلون، وأنتم أهل حرم اللّه تعالى وأشرف ولد آدم والناس لكم تبع. قالوا:

نحن نتبع لك فليس عليك منا خلاف. فجمع كل بني أب على الرحلتين في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام، لأن بلاد اليمن حامية حارة وبلاد الشام رطب باردة، ليتجروا فيما بدا لهم من التجارات فما ربح الفتى منهم قسمه بينه وبين فقرائهم حتى كان فقيرهم كغنيهم. فجاء الإسلام وهم على ذلك فلم يكن في العرب يتور أب أكثر مالا ولا أعز من قريش حتى قيل فيهم:

الحافظون فقيرهم بغنيهم ... حتى يكون فقيرهم كالكافي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت