حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 697
أن وقوع حرف الاستفهام في أول الكلمة جعل أمر حذف همزة سهلا يسيرا مع كونه مخالفا للقياس والاستعمال، فإن «ريت» في «رأيت» لم يسمع من العرب. ووجه التسهيل أن الماضي بسبب دخول حرف الاستفهام عليه شابه المضارع لأن في الطلب معنى الاستقبال فأخذ حكم المضارع لذلك مع أن وقوع الهمزة أو الكلام أوجب ثقل وقوع همزة أخرى بعدها فسهل أمر حذفها لذلك أيضا. وحذفها في الآية أسهل من حذفها في البيت الذي ذكره الزمخشري وهو قوله:
صاح هل ريت أو سمعت براع ... روث الضرع ما قرى في العلاب
لأن البيت وإن كان فيه حرف الاستفهام لكن ذلك الحرف ليس بهمزة، فلو لم تحذف همزة «رأيت» لم يلزم الثقل الحاصل من اجتماع الهمزتين بخلاف الآية. وقوله: «صاح» أصله يا صاحب فحذف حرف النداء ورخم المنادى فصار صاح. قوله: «ما قرى» أي ما جمع يقال: قريت الماء في الحوض أي جمعت. والعلبة ما يحلب فيه من جلد أو خشب وجمعه علب وعلاب. قوله: (بزيادة الكاف) الضمير المرفوع في أرأيتك هو التاء والكاف إنما زيدت لتدل على أحوال المخاطب تقول: أرأيتك زيد أو أرأيتكما زيد أو أرأيتكم زيدا بمعنى أخبر زيدا وأخبر أو أخبروا. قوله: (بالجزاء أو الإسلام) فإن الدين يستعمل بمعنى الجزاء كما في قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة: 4] وبمعنى الإسلام كما في قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران: 19] وتكذيب الإسلام كما يكون بتكذيب الصانع والنبوة والمعاد يكون أيضا بإنكار شيء من الشرائع. قوله: (والذي يحتمل الجنس) أي جنس من كان مكذبا بالدين أي شخص كان. ويحتمل العهد أيضا حتى قيل إنها نزلت في أبي سفيان كان ينحر جزورين في كل أسبوع فأتاه يتيم فسأله لحما فقرعه بعصاه.
وقيل: نزلت في العاص بن وائل وكان يجمع بين التكذيب بيوم القيامة والإتيان بالأفعال القبيحة، جعل علم تكذيبه بالجزاء منعه الواجب والمعروف وتركه التحريض على إطفاء نائرة الجوع عن المحتاجين. وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقيل: نزلت في أبي جهل.
روي أنه كان وصيا ليتيم فجاءه عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه ولم يعبأ به فأيس الصبي، فقال له أكابر قريش: قل لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم يشفع لك. وكان غرضهم الاستهزاء به ولم يعرف اليتيم ذلك، فجاء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والتمس منه ذلك وهو عليه السّلام ما كان يرد محتاجا، فذهب معه إلى أبي جهل فقام أبو جهل ورحب به وبذل المال لليتيم. فعيّره قريش وقالوا:
أصبوت؟ قال: لا واللّه ما صبوت ولكن رأيت عن يمينه وعن شماله حربة خفت إن لم أجبه