حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 704
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (2) أي فيما يستقبل فإن لا لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الاستقبال كما أن «ما» لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال.
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (3) أي فيما يستقبل لأنه في قران «لا أعبد» .
وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (4) أي في الحال أو فيما سلف.
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (5) أي وما عبدتم في وقت ما أنا عابده. ويجوز أن تكونا تأكيدين على طريقة أبلغ. وإنما لم يقل: ما عبدت ليطابق ما عبدتم لأنهم كانوا موسومين قبل المبعث
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ لا يجوز أن يكون خطابا مع كل الكفرة لأن فيهم من يعبد اللّه تعالى كاليهود والنصارى ولا يجوز أن يقال لهم: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ولا يجوز أيضا أن يكون قوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ خطابا مع الكل لأن في الكفار من آمن وصار بحيث يعبد اللّه تعالى. فعلمنا بهذه القرينة أن الخطاب للكفرة المخصوصين الذين سبق في علمه تعالى أنهم سيموتون أو سيقتلون على كفرهم. قوله: (فإن لا لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الاستقبال) لا أنها لا تدخل أبدا إلا على المضارع الموصوف، فإن «لا» قد تدخل على الماضي بشرط التكرير نحو قوله تعالى: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى [القيامة: 31] وقد تدخل على الاسم كقوله تعالى: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ وكذا قوله: «كما أن «ما» لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال» فإن معناه أنها إذا دخلت على المضارع يكون المضارع بمعنى الحال. فمعنى القرينة الأولى: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم لما ذكره من أن المضارع المصدر بكلمة «لا» يكون للاستقبال، ومعنى القرينة الثانية ولا أنتم عابدون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلهي، لأن اسم الفاعل وإن كان صالحا للحال والاستقبال إلا أنه ههنا للاستقبال لوقوعه في مقابلة لا أَعْبُدُ. ثم إنهم اختلفوا في أن القرينة الثالثة هل هي تأكيد للأولى أو لا؟ وكذا الرابعة هل هي تأكيد للثانية أو لا؟ واختار المصنف أن كل قرينة من القرينتين الأخيرتين لإفادة معنى على حدة بأن جعل كل قرينة مقيدة بزمان غير زمان القرينة الأخرى، فحمل القرينة الأولى على الاستقبال بشهادة كلمة «لا» وحمل القرينة الثالثة على الحال أو الماضي، فكان المعنى: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه من عبادة الأصنام ولست في الحال أو في الماضي بعابد لما عبدتم من الأصنام، وحمل القرينة الثانية وهي قوله: وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ على الاستقبال لوقوعها في مقابلة الأولى، وحمل القرينة الرابعة على استغراق النفي وشموله لجميع الأزمنة بناء على أن الجملة الاسمية تفيد الدوام وإذا دخل عليها حرف النفي تفيد دوام النفي. ثم قال: «ويجوز أن أن تكونا تأكيدين على طريقة أبلغ» أي ويجوز أن تكون القرينة الثالثة تأكيدا للأولى على طريقة أبلغ لأن القرينة الأولى لنفي الاستقبال، والثالثة تفيد دوام النفي في جميع الأزمنة كما عرفته فتفيد ما أفادته