فهرس الكتاب

الصفحة 5498 من 5510

حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 705

بعبادة الأصنام، وهو لم يكن حينئذ موسوما بعبادة اللّه تعالى. وإنما قال: «ما» دون «من» لأن المراد الصفة كأنه قال: لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق، أو للمطابقة وقيل: «ما»

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأولى مع زيادة فكانت تأكيدا لها على طريقة أبلغ. وكذا القرينة الرابعة يجوز أن تكون تأكيدا للثانية على أبلغ وجه لأن الثانية حملت بقرينة المقابلة على نفي الاستقبال والرابعة محمولة على عموم النفي فتكون أبلغ منها، والفائدة على تقدير أن تحمل القرينتان على التأكيد قطع أطماع الكفار وتحقيق الأخبار بأنهم يموتون على الكفر ولا يسلمون أبدا. ويرد على تجويزه أن يكون قوله تعالى: وَلا أَنا عابِدٌ محمولا على الماضي كما أشار إليه بقوله: «أو فيما سلف» أن عابدا اسم فاعل وهو لا يعمل إلا إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، فكيف يصح أن يعمل في قوله: ما عَبَدْتُّمْ وهو بمعنى الماضي؟ إلا أن يقال: إعماله مبني على كونه بمعنى حكاية الحال الماضية كما في قوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ [الكهف: 18] وقوله تعالى: وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [البقرة: 72] ونحوهما وهو لا ينافي كون مدلوله واقعا في الماضي في نفس الأمر. قوله: (وهو عليه الصلاة والسّلام لم يكن موسوما بعبادة اللّه تعالى) أي قبل البعثة لأن العبادة عبارة عن أعمال الجوارح الواقعة امتثالا لأمر اللّه تعالى وقصدا لتعظيمه، وما وقع منه عليه الصلاة والسّلام قبل البعثة من توحيد اللّه تعالى وتنزيهه عن كل ما لا يليق بحال ذاته ومن مناسك الحج وأفعاله على حسب ما تواتر من مشاعر إبراهيم عليه الصلاة والسّلام، وإن كان عبادة بمعنى المعرفة والإيقان بالحق إلا أنه ليس بعبادة بالمعنى المذكور لأنه يجب كونها مسبوقة بأمر الشارع ومأمورا بها من قبله ولا أمر قبل البعثة، ولأن الشرائع السابقة على شريعة عيسى عليه الصلاة والسّلام صارت منسوخة بشريعة عيسى. وأما شريعة عيسى فقد صارت منقطعة بسبب أن الناقلين عنه هم النصارى وهم كفار قبل بعثة رسولنا صلّى اللّه عليه وسلّم بسبب قولهم بالتثليث، والذين بقوا على التوحيد قلوا غاية القلة وتفرقوا في البلدان فلم يكن قولهم حجة شرعية، فثبت انقطاع شريعة عيسى عليه الصلاة والسّلام.

فما وقع بعد انقطاعها لا يكون على طريق الامتثال للشرع فلم يكن عليه الصلاة والسّلام قبل البعثة موسوما بعبادة اللّه تعالى، فلذلك لم يكن نظم الآية وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما عبدت وإن كان هو المطابق لقوله: ما عَبَدْتُّمْ.

قوله: (وإنما قال ما دون من) جواب عما يقال: المراد بقوله: ما أَعْبُدُ في القرينة الثانية والرابعة هو اللّه تعالى فكيف عبّر عنه بكلمة «ما» والأصل فيها أن لا تطلق على أولي العلم إذا أريد بهم نفس ذواتهم؟ وأما إذا أريد أن يعبّر عنهم بما يدل على غاية التعظيم والتحقير فحينئذ يعبر عنهم بكلمة «ما» فإن «ما» الموصولة لا تستعمل في ذي العلم إلا باعتبار الوصفية فيه وتعظيم شأنه كقوله: سبحان ما سخركن لنا، أي سبحان العظيم الشأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت