حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 708
وقيل: المراد جنس نصر اللّه للمؤمنين فتح مكة وسائر البلاد عليهم. وإنما عبّر عن الحصول بالمجيء تجوزا للإشعار بأن المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة لها فتقرب منها شيئا فشيئا وقد قرب النصر من وقته فكن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
به أي نصر اللّه إياك، وأن المراد بنصره تعالى إياه عليه الصلاة والسّلام إظهاره وجعله غالبا على أعدائه من قريش وسائر العرب، يقال: ظهرت على فلان إذا غلبت عليه. وكذا الفتح فإنه مصدر أيضا وما فيه من حرف التعريف عوض عن الإضافة ومفعوله محذوف وهو مكة، فإن فتحها هو الذي يقال له فتح الفتوح والتقدير: وفتح مكة. وجواب «إذا» وعامله هو قوله تعالى: فَسَبِّحْ وقد اشتهر أن الجواب هو العمل فيه أي إذا جاءك النصر والفتح وكثرت الأتباع والأمم فاشتغل أنت بالتسبيح والحمد والاستغفار. وقيل: «إذا» منصوب «بجاء» ، وقيل: جوابه محذوف والتقدير: إذا جاءت هذه الأشياء فقد عظمت نعمة اللّه تعالى عليك. وقيل: حضر أجلك. وعطف الفتح على النصر من قبيل عطف المسبب على السبب لأن النصر الإلهي سبب للفتح وتقييد النصر بالإضافة إليه تعالى مع أن النصر لا يكون إلا من اللّه تعالى كما قال تعالى: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران: 126؛ الأنفال: 10] لتعظيم المضاف أي إذا جاءك نصر لا يليق إلا باللّه ولا يفعله إلا هو فسبح.
وقيل: المفعول المقدر لكل واحد من النصر والفتح ليس أمرا مخصوصا هو إياك ومكة بل الآية من قبيل ما حذف فيه المفعول للتعميم، والمعنى: إذا جاء نصر اللّه لمن آمن به وفتحه ديار الكفر عليه.
قوله: (وإنما عبر عن الحصول بالمجيء) جواب عما يقال من أن المجيء من خواص ما يصح عليه الانتقال من الجواهر والنصر والفتح ليسا من قبيل الجواهر، فكيف أسند المجيء إليهما؟ والظاهر أن يقال: إذا وقع أو حصل نصر اللّه عز وجل. وتقرير الجواب أنه عبّر عن حصولهما بالمجيء تشبيها لهما بما يصح الانتقال في حقه من حيث إن الحوادث قدر وجودها في الأزل، فاللّه سبحانه قدر لحدوث كل واحد منها أسبابا معينة وأوقاتا مقدرة لا يحدث شيء منها إلا إذا تحققت أسبابه وحضرت أوقاته، فشبه كونها مربوطة معلقة بتلك الأسباب والأوقات بكونها متوجهة إليها بحيث تقرب منها شيئا فشيئا، وشبّه وقوعها عند حضور أوقاتها بمجيئها إليها فأطلق اسم المجيء على ذلك الوقوع ثم اشتق منه لفظ «جاء» فكانت استعارة تبعية. وكلمة «إذا» ظرف لما يستقبل، فالآية بظاهرها تدل على أن هذه السورة نزلت قبل أن نصره اللّه تعالى نصرا تسبب عنه فتح مكة ودخول الناس في دين اللّه أفواجا، ولهذا قيل: إنها مكية وعده اللّه تعالى وهو فيها أنه سيهاجر منها، ثم إنه تعالى يفتحها له ويدخل الناس في دين اللّه أفواجا بنصره له وإظهاره على أعدائه. وقيل: كلمة «إذا»