حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 711
هضما لنفسك واستقصارا لعملك واستدراكا لما فرط منك بالالتفات إلى غيره. وعنه عليه الصلاة والسّلام: «إني أستغفر اللّه في اليوم والليلة مائة مرة» . وقيل: استغفره لأمتك.
وتقديم التسبيح ثم الحمد على الاستغفار على طريقة النزول من الخالق إلى الخلق كما قيل: ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله. إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا (3) لمن استغفره منذ خلق المكلفين. والأكثر على أن السورة نزلت قبل فتح مكة، وأنه نعي لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه لما قرأها بكى العباس فقال عليه الصلاة والسّلام: «ما يبكيك؟» قال: نعيت إليك نفسك. فقال: «إنها لكما تقول» . ولعل ذلك لدلالتها على تمام الدعوة وكمال أمر الدين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يكون بمعنى الثناء عليه تعالى بصفات الجلال، ويكون التحميد بمعنى الثناء عليه بصفات الإكرام وصفات الجلال صفات دالة على عظمة الذات وكماله من غير كونها متعلقة بالمخلوق بالإفضال والإنعام عليه كالعظمة والكبرياء والملك والتقديس والعز والجبروت والعلم والسمع والبصر ونحوها، وصفات الإكرام صفات لها آثار في الخلق كالرحمن والرحيم والغفار والرزاق والوهاب والباسط والغني ونحوها. وقوله: بِحَمْدِ رَبِّكَ حال من المنوي في «فسبح» أي سبحه حامدا له أي مقدرا أن تحمده بعد التسبيح. قوله: (هضما لنفسك) إشارة إلى أن الحكمة الداعية إلى أمر النبي المعصوم من الذنب بالاستغفار هضم النفس وكسرها بأن يعدها قاصرة عن البلوغ إلى درجة الكمال في المعرفة والعبادة، ويقول: ما عرفناك حق معرفتك وما عبدناك حق عبادتك. ولما كانت مراتب السير إلى اللّه تعالى غير متناهية كانت كل مرتبة من مراتب العرفان فوقها مراتب أخر، وعلى حسب تفاوت مراتب العرفان تتفاوت مراتب العبادة المتفرعة على معرفة عظمة المعبود فإذا وصل العبد إلى مرتبة في العبودية ثم تجاوز عنها فبعد تجاوزه عنها يرى ذلك المقام قاصرا فيستغفر اللّه تعالى منه. وهذا القدر إنما يحتاج إليه على تقدير أن يكون معنى قوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْهُ واستغفر اللّه لذنبك أما إذا كان معناه واستغفره لذنب أمتك فالأمر ظاهر. قوله: (كان توابا لمن استغفره منذ خلق المكلفين) يعني أن لفظ «كان» ههنا للدلالة على استمرار ثبوت خبرها لفاعلها مند خلق المكلفين، ومن كان هذا شأنه أفلا يقبل استغفارك وتوبتك؟ فلا يرد أن يقال: إن الأفعال الناقصة إنما تدل على زمان ثبوت خبرها لفاعلها. فلفظ «كان» في الآية يدل على أن ذلك الثبوت في الماضي وكونه تعالى توابا في الماضي كيف يكون علة للاستغفار في الحال أو في المستقبل؟ ووجه سقوط هذا الوهم على توجيه المصنف ظاهر. ومعنى كونه تعالى: «توابا» أنه يكثر منه قبول التوبة الكثيرة من التوابين أو لكثرة ما تابوا منه من الذنوب. قوله: (ولعل ذلك) أي ولعل الوجه في كون نزول هذه السورة نعيا له عليه الصلاة والسّلام أن كونه عليه السّلام منصورا غالبا على أعدائه، وحصول الفتح ودخول الناس في الدين أفواجا يدل على