حاشية محيي الدين شيخ زاده على تفسير القاضي البيضاوي، ج 8، ص: 710
جماعات كثيفة كأهل مكة والطائف واليمن والهوازن وسائر قبائل العرب. و «يدخلون» حال على أن «رأيت» بمعنى أبصر أو مفعول ثان على أنه بمعنى علمت.
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ فتعجب لتيسير اللّه ما لم يخطر ببال أحد حامدا له عليه، أو فصل له حامدا على نعمه. روي أنه لما دخل مكة بدأ بالسجد فدخل الكعبة وصلى ثماني ركعات، أو فنزهه عما كانت الظلمة يقولون حامدا له على أن صدق وعده، أو فأثن على اللّه بصفات الجلال حامدا له على صفات الإكرام. وَاسْتَغْفِرْهُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من أكابر الصحابة رضي اللّه عنهم ورجع إلى مكة آيسا، فتجهز عليه الصلاة والسّلام للمسير إلى مكة فخرج إليها وفتحها ووقف على باب المسجد وقال: «لا إله إلا اللّه وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» ثم قال: «يا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم» ؟
فقالوا: خيرا. أخ كريم. فقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» فأعتقهم. ثم إنهم بايعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الإسلام والسمع والطاعة ثم صار الناس يدخلون في دين الإسلام فوجا بعد فوج. قوله: (جماعات كثيفة) أي كثيرة.
قوله: (فتعجب) أي قل: سبحان اللّه والحمد للّه تعجبا مما أراك من عجيب إنعامه عليك وهو الغلبة على أهل الحرم، فإن هذه الكلمة تقال عند التعجب عادة فصح أن يفسر الأمر بالتسبيح بالأمر بالتعجب لذلك ولا سيما أن المقام مقام التعجب. ولعل الوجه في ذكر هذه الكلمة عند التعجب هو أن الإنسان عند مشاهدة الأمر العجيب يستبعد وقوعه كأنه يستقصر قدرة اللّه تعالى عليه ويخطر بباله أن يقول: من يقدر عليه ويوجده؟ ثم يتدارك أنه في هذا الزعم مخطئ فيقول: سبحان اللّه تعالى تنزيها للّه تعالى عن العجز عن خلق مثله من العجائب واعتقادا بأنه تعالى على كل شيء قدير. قوله: (أو فصل له) يعني يجوز أن يكون المراد بالتسبيح الصلاة تسمية للمحل باسم ما حل فيه لأن الصلاة لا تخلو عنه فكأنه جزء منها. وقد عبّر بلفظ التسبيح عن الصلاة في مواضع من القرآن قال اللّه تعالى: فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم: 17] وقال: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ [طه: 130؛ ق: 39] وحمل اللفظ على المجاز لما وجب أن يستند إلى قرينة تعين المعنى المجازي. أيد هذا الاحتمال بما روي أنه عليه الصلاة والسّلام صلى ثماني ركعات يوم فتح مكة داخل البيت. ثم قيل: إنه عليه الصلاة والسّلام صلاها شكر اللّه تعالى. وقال آخرون:
هي صلاة الضحى. وقيل: أربع للشكر وأربع للضحى. قوله: (أو فنزهه) لما روي أنه عليه الصلاة والسّلام سئل ما المراد بالتسبيح في قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ فقال: «تنزيه اللّه تعالى عن كل سوء» فإنه تعالى منزه في ذاته وصفاته وأفعاله عن كل ما لا يليق بشأنه الأعلى. قوله: (أو فأثن على اللّه تعالى) أي ويجوز أن يكون التسبيح لا بمعنى التنزيه بل