فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 2201

إلى شيء ويدرك مع ذلك غيره بإشارة لحظاته ونظيره قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر: 8] إنما سبق النص لاستحقاق سهم من الغنيمة على سبيل الترجمة لما سبق واسم الفقراء إشارة إلى زوال ملكهم عما خلفوا في دار الحرب.

ـــــــ

واسم الفقراء أي وذكر هذا الاسم دون غيره إشارة إلى أن الذين هاجروا من مكة قد زالت أملاكهم عما خلفوا بها باستيلاء الكفار عليه; لأنه تعالى وصفهم بالفقر مع أنهم كانوا مياسير بمكة بدليل قوله جل ذكره: {أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} [الحشر: 8] , والفقر على الحقيقة بزوال الملك لا يبعد اليد عن المال; لأن ضده الغنى, وهو ملك المال لا قرب اليد من المال ألا ترى أن ابن السبيل غني حقيقة; وإن بعدت يده عن المال لقيام الملك; ولهذا وجب عليه الزكاة والمكاتب فقير حقيقة ولو أصاب مالا عظيما لعدم الملك حقيقة; فلهذا قلنا إن استيلاءهم بشرط الأحرار سبب للملك إذ لو لم يكن كذلك لسماهم أبناء السبيل; لأنه اسم لمن بعدت يده عن المال مع قيام الملك فيه, وهذه من الإشارات الظاهرة التي تعرف بأدنى تأمل إلا أن الشافعي رحمه الله لم يعمل بها, وقال إنما سماهم فقراء ولم يسمهم أبناء السبيل; لأنه اسم لمن له مال في وطنه, وهو بعيد عنه ويطمع أن يصل إليه, وأنهم لم يكونوا مسافرين بالمدينة بل توطنوا بها وانقطعت أطماعهم بالكلية عن أموالهم فلم يستقم أن يسموا بابن السبيل ولكنهم لما كانوا محتاجين حقيقة وانقطع عنهم ثمرات أموالهم بالكلية; وإن كانت باقية على ملكهم صحت تسميتهم فقراء تجوزا كأنه لا مال لهم أصلا كما صحت تسمية الكافر أصم وأعمى وأبكم وعديم العقل في قوله تعالى عز وجل: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] . بهذا الطريق, والدليل على صرفه إلى المجاز قوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] , وليس المراد نفي السبيل الحسي بالإجماع فيرجع النفي إلى السبيل الشرعي والتملك بالقهر الذي هو عدوان محض أقوى جهات السبيل, وما روي أن عيينة بن حصن أغار على سرح بالمدينة وفيها ناقة رسول الله العضباء وأسر امرأة الراعي قالت المرأة فلما جن الليل قصدت الفرار فما وضعت يدي على بعير إلا رغا حتى وضعت يدي على ناقة رسول الله العضباء فركنت إلي فركبتها وقلت إن نجاني الله عليها فلله علي أن أنحرها فلما أتيت رسول الله عليه السلام وقصصت عليه القصة قال عليه السلام:"بئس ما جازيتها لا نذر فيما لا يملكه ابن آدم وإنها ناقة من إبلي ارجعي إلى أهلك على اسم الله تعالى"1, ولكنا نقول لا حجة له في الآية; لأنها تدل على نفي سبيلهم على المؤمنين لا

ـــــــ

1 أخرجه الطبراني عن النواس بن سمعان في المعجم الكبير والأوسط مجمع الزوائد 4/190.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت