فهرس الكتاب

الصفحة 1037 من 2201

لا يعرف في البشر إلا بدلالة اختياره فيما يأتيه ويذره ما يصلح له في عاقبته وهو نوعان: قاصر لما يقارنه ما يدل على نقصانه في ابتداء وجوده وهو عقل الصبي

ـــــــ

الظاهر المظهر والعقل بهذه المثابة للبصيرة التي هي عبارة عن عين الباطن كالشمس والسراج لعين الظاهر بل هو أولى بتسمية النور من الأنوار الحسية; لأن بها لا يظهر إلا ظواهر الأشياء فتدرك العين بها تلك الظواهر لا غير فأما العقل فيستنير به بواطن الأشياء ومعانيها ويدرك حقائقها وأسرارها فكان أولى باسم النور وقوله يبتدأ مسند إلى الظرف وهو الجار والمجرور والجملة صفة لطريق والضمير في به راجع إلى الطريق وفي بتأمله إلى القلب يعني ابتداء عمل القلب بنور العقل من حيث ينتهي إليه درك الحواس فإن الإنسان إذا أبصر شيئا يتضح لقلبه طريق الاستدلال بنور العقل فإذا نظر إلى بناء رفيع وانتهى إليه بصره يدرك بنور عقله أن له بانيا لا محالة ذا حياة وقدرة وعلم إلى سائر أوصافه الذي لا بد للبناء منه وإذا نظر إلى السماء ورأى إحكامها ورفعتها واستنارة كواكبها وعظم هيئتها وسائر ما فيها من العجائب استدل بنور عقله أنه لا بد لها من صانع قديم مدبر حكيم قادر عظيم حي عليم فهو معنى قوله فيبتدي أي يظهر المطلوب للقلب فيدرك القلب المطلوب إذا تأمل - إن وفقه الله لذلك.

قوله"وإنه"أي العقل لا يعرف في البشر أي الإنسان إلا بدلالة اختيار الإنسان فيما يأتيه من العقل وما يترك منه ما يصلح له في عاقبته أمره. ويجوز أن يكون الضمير في عاقبته راجعا إلى ما في قوله فيما يأتيه ويذره أي يختار فعله وتركه ما يصلح له في عاقبة ذلك الفعل فإن الفعل والترك قد يكون كل واحد لحكمة وعاقبة حميدة وقد يكون لغير حكمة كما يكون من البهائم وبالعقل يوقف على العواقب الحميدة فإذا وقع فعله على نهج أفعال العقلاء كان ذلك دليلا على حصول العقل فيه وهو من قبيل الاستدلال بالأثر على المؤثر قال الشيخ في مختصر التقويم فصار في الحاصل العقل ما يوقف به على العواقب والعاقل من يكون أكثر أفعاله على سنن أفعال العقلاء ثم العقل لا يكون موجودا بالفعل في الإنسان في أول أمره كما أخبر الله تعالى بقوله {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} "النحل: 78"ولكن فيه استعداد وصلاحية لأن يوجد فيه العقل فهذا الاستعداد يسمى عقلا بالقوة وعقلا غريزيا ثم يحدث العقل فيه شيئا فشيئا بخلق الله تعالى إلى أن بلغ درجات الكمال ويسمى هذا عقلا مستفادا فقبل بلوغه إلى أولى درجات الكمال يكون قاصرا لا محالة, ولما تعذر الوقوف على وجود كل جزء منه بحسب ما يمضي من الزمان إلى أن يبلغ أولى درجات الكمال, ولا طريق لنا إلى الوقوف عن حد ذلك بل الله تعالى هو العالم بحقيقته أقيم السبب الظاهر في حقنا وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت