; لأن العقل يوجد زائدا ثم هو بحكم الله تعالى وقسمته متفاوت لا يدرك تفاوته فعقلت أحكام الشرع بأدنى درجات كماله واعتداله وأقيم البلوغ الذي هو دليل عليه مقامه تيسيرا والمطلق من كل شيء يقع على كماله فشرطنا لوجوب الحكم وقيام الحجة كمال العقل فقلنا: إن خبر الصبي ليس بحجة; لأن الشرع لما لم يجعله وليا في أمر دنياه ففي أمر الدين أولى وكذلك المعتوه.
ـــــــ
البلوغ من غير آفة مقام كمال العقل تيسيرا وبني التكليف عليه; لأن اعتدال العقل يحصل عنده غالبا; لأن بكمال البنية يكمل قوى النفس فيكمل بكمال البنية العقل إذا لم تعارضه آفة, وسقط اعتبار ما يكون موجودا قبله من العقل في الصبي مرحمة وفضلا فصار الصبي في حكم من لا عقل له فيما يخاف لحوق عهدة به
"والمطلق من كل شيء يقع على كماله"أي كماله في مسماه"فشرطنا لوجوب الحكم"أي لوجوب حكم الشرع عليه وصيرورته مكلفا وقيام الحجة بخبره على الغير كمال العقل فقلنا: إن خبر الصبي ليس بحجة في الشرع احترز بقوله في الشرع عن المعاملات; لأن الشرع لما لم يوله أمور نفسه لنقصان عقله فلأن لا يوليه أمر شرعه أولى, ولا يلزم عليه العبد فإنه يقبل روايته, وإن لم يفوض إليه أموره; لأن ذلك لحق المولى لا لنقصان في العقل فلا يظهر ذلك في أمر الشرع فأما عدم تولية أمور الصبي إلى نفسه فلنقصان العقل فيظهر في أمر الدين أيضا ولأن خبر الفاسق مردود مع أنه أوثق من الصبي; لأنه يخاف الله تعالى لعلمه بالتكليف والصبي لا يخافه, ولا رادع له من الكذب أصلا لعلمه بعدم التكليف فكان خبره أولى بالرد وذكر بعضهم أن رواية الصبي إذا كان مميزا ووقع في ظن السامع صدقه مقبولة; لأن خبره في المعاملات والديانات مقبول مع تحكيم الرأي فكذا هذا.
ألا ترى أن أهل قباء قبلوا إخبار ابن عمر بتحويل القبلة وهو يومئذ ابن أربع عشرة سنة; لأن التحويل كان قبل بدر بشهرين وقد رده النبي عليه السلام فيه لصباه ثم إنهم اعتمدوا خبره فيما لا يجوز العمل به إلا بعلم وهو الصلاة إلى القبلة ولم ينكر عليهم رسول الله عليه السلام والأصح هو الأول; لأن المعتمد في قبول خبر الواحد إجماع الصحابة رضي الله عنهم ولم يرو عن أحد منهم أنه رجع إلى رواية صبي. ولأن غالب أحواله اللهو واللعب والمسامحة والمساهلة فيعتبر ما هو الغالب من حاله احتياطا في أمر الرواية وأما أهل قباء فالصحيح أن الذي أتاهم أنس رضي الله عنه فكان اعتمادهم على خبره أو كان