المغفل الشديد الغفلة, وهو مثل الصبي والمعتوه فأما تهمة الغفلة فليس بشيء ولا يخلو عامة البشر عن ضرب غفلة إذا كان عامة حاله التيقظ, وأما المساهل; فإنما نعني به المجازف الذي لا يبالي من السهو والخطأ والتزوير وهذا مثل المغفل إذا اعتاد ذلك فقد يكون العادة للزم من الخلقة. وأما صاحب الهوى; فإن أصحابنا رحمهم الله عملوا بشهادتهم إلا الخطابية; لأن صاحب الهوى وقع فيه لتعمقه وذلك يصده عن الكذب فلم يصلح شبهة وتهمة إلا من
ـــــــ
كمال عقله وتدينه بحرمة الكذب فكان الاستحباب وانتفاء الوجوب في خبر الصبي أولى لنقصان عقله وعدم احترازه عن الكذب لا منه من العقاب, وإنما قال وجب أن يكون كذا هاهنا وفيما تقدم; لأن الرواية غير محفوظة عن السلف في نقل هؤلاء الحديث.
"وأما المغفل الشديد الغفلة"أي قويها وذلك بأن غلب طبعه الغفلة والنسيان في عامة الأحوال فمثل الصبي والمعتوه في أن خبره لا يكون حجة أصلا كخبرهما; لأن معنى السهو والغلط يترجح في الرواية باعتبار غلبة الغفلة كما يترجح جانب الكذب باعتبار الفسق, ولا يقال ينبغي أن يقبل خبره إذا كان عدلا; لأن العدل لا يروى إلا عن تيقظ وضبط ولا يجوز الرواية عن غفلة; لأنا نقول أن من لا يضبط قد يظن أنه قد ضبط ومن سها يظن أنه ما سها فيروي على حسب ظنه, وكذا الحكم فيمن يساوي ذكره وغفلته إلا عند قاضي القضاة من المعتزلة; فإنه يقبل خبره عنده; لأن الأصل في الخبر الصحة وكونه حجة إلا بعارض فإذا لم يترجح غفلة الراوي على تيقظه وذكره بقي حجة كما كان ولم يترك بالاحتمال كما إذا شك في الحدث بعد الطهارة. ونحن نقول الخبر لا يصير حجة إلا إذا تكاملت شرائطه وذلك عند ترجح ذكر الراوي على غفلته فقبل ترجحه لا يكون حجة بخلاف الشك في الطهارة; فإن سبق الطهارة يرجحها حتى لو انفرد الشك عن سبق الطهارة لم يحكم بها"فأما تهمة الغفلة"أي وهمها بأن يوهم السامع أن الراوي روى عن غفلة; لأنه قد يغفل في بعض الأمور فيرد خبره فليس بشيء; لأن الغالب إذا كان عليه التيقظ وجودة الضبط فهو بمنزلة من لا غفلة به في الرواية والشهادة فيقبل خبره ما لم يعلم أنه سها فيه والمساهل المجازف الذي لا يبالي من السهو والغلط ولا يشتغل فيه بالتدارك بعد أن يعلم به, وقيل المساهل هو الذي لا يصرف اهتمامه إلى أمور الدين ولا يحتاط في موضع الاحتياط, والتزوير تزيين الكذب وزورت الشيء حسنته وقومته كذا في الصحاح.
قوله"فأما صاحب الهوى"الهوى ميلان النفس إلى ما تستلذ به من الشهوات من غير داعية الشرع واحترز به عما أبيح في الشرع من الشهوات وذلك; لأن الهوى مما يذم