قال عامة أهل الحديث إن القسم الأول على المنزلتين, ألا ترى أنها طريقة الرسول عليه السلام, وهو المطلق, من الحديث المشافهة, وقال أبو حنيفة إن ذلك كان أحق من رسول الله عليه السلام; لأنه كان مأمونا عن السهو وما كان يكتب وكلامنا فيمن يجري عليه السهو ويقرأ من المكتوب دون المحفوظ
ـــــــ
قراءة عليه بلا خلاف, فأما إذا قال حدثني أو أخبرني مطلقا أو سمعت فلانا فقد اختلف فيه فذهب الغزالي وأبو الحسين البصري وجماعة إلى أنه لا يجوز; لأنه يشعر بالنطق إذ الخبر والحديث والمسموع نطق كلها ولم يوجد منه نطق فيكون قوله أخبرني أو حدثني أو سمعت كذبا إلا إذا علم تصريح قول السامع أو بقرينة خالية أنه يريد القراءة على الشيخ دون سماع حديثه ولا يقال إمساكه عن النكير جار مجرى إباحته أن يتحدث عنه لأنهم يقولون بإباحته لم يجز لهم التحدث عنه إذا لم يحدثهم; لأن الكذب لا يصير مباحا بإباحته. وذهب جمهور الفقهاء المحدثين إلى أنه يجوز; لأن الإخبار في أصل اللغة لإفادة الخبر والعلم وهذا السكوت قد أفاد العلم بأن هذا المسموع كلام الرسول عليه السلام فوجب أن يكون إخبارا وأيضا فلا نزاع أن لكل قوم من العلماء اصطلاحات مخصوصة يستعملونها في معاني مخصوصة أما; لأنهم نقلوها بحسب عرفهم إلى تلك المعاني أو; لأنهم استعملوها فيها على سبيل التجوز ثم صار المجاز شائعا والحقيقة مغلوبة ولفظ أخبرني وحدثني هاهنا كذلك; لأن هذا السكوت يشابه الإخبار في إفادة الظن والمشابهة إحدى أسباب المجاز. وإذا جاز هذا الاستعمال مجازا ثم استقر عرف المحدثين عليه صار ذلك كالاسم المنقول بعرف المحدثين أو كالمجاز الغالب, وإذا ثبت ذلك وجب جواز استعماله قياسا على سائر الاصطلاحات"فما يقرؤه عليك"أي المحدث أو المبلغ, وهو من قبيل قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر} [القدر: 1] ،"أعلى المنزلتين"أي أرفع وأحوط, ألا ترى أنها أي المنزلة الأولى طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم; فإنه كان يبلغ بنفسه ويقرأ على الصحابة لا أن يقرأ عليه ثم يقال له: أهكذا الأمر فيقول نعم ولما كانت قراءة المحدث تشبه فعل النبي عليه السلام وأنه أبعد من السهو والخطأ كان ذلك أحوط وأولى.
"وهو المطلق من الحديث والمشافهة"أي مطلق قولك حدثني فلان بكذا أو شافهني به يدل على أن التكلم صدر عنه وأنت تسمع لا على العكس ودلالة المطلق على الكامل على ما عرف فدل أن الوجه الأول أكمل, ولهذا قال بعض المحدثين أن السامع في القسم الأول تقول حدثني وفي القسم الثاني أخبرني; لأن الإخبار أعم.
قوله"كان مأمونا عن السهو"أي عن التقرير عليه في تبليغ الوحي وبيان الأحكام وغيره ليس بهذه الصفة فلذلك كانت قراءته عليه السلام أولى فأما غير النبي عليه السلام