أما الذي يكون مذكرا فهو حجة سواء كان خطه أو خط رجل معروف أو مجهول; لأن المقصود هو الذكر والاحتراز عن النسيان غير ممكن وإنما كان دوام الحفظ لرسول الله عليه السلام مع قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} الأعلى [: 6-7] , وأما إذا كان الخط أماما لا يذكره شيئا; فإن أبا حنيفة كان يقول لا يحل الرواية بمثله بحال; لأن الخط للقلب بمنزلة المرآة للعين والمرآة إذا لم تفد للعين دركا كان عدما فالخط إذا لم يفد للقلب ذكرا كان هدرا, وإنما يدخل الخط في ثلاثة فصول فيما يجد القاضي في ديوانه مما لا
ـــــــ
قوله"وأما إذا كان الخط إماما لا يذكره شيئا"بأن وجد سماعا مكتوبا بخطه أو بخط أبيه أو بخط رجل معروف ولم يتذكر السماع;"فإن أبا حنيفة رحمه الله لا يجوز الرواية بمثله بحال"أي بمثل هذا الخط الذي لا يذكر شيئا سواء كان خطه أو خط غيره; لأن المقصود من الكتاب أن يتذكر إذا نظر فيه; لأن الكتاب للقلب كالمرآة للعين وإنما يعتبر المرآة ليحصل الإدراك بالعين, وإذا لم يحصل كان وجودها كعدمها, فكذا الخط للتذكر بالقلب عند النظر فيه فإذا لم يتذكر كان وجوده كعدمه, ومعنى كون الخط إماما أن الراوي إذا لم يستفد التذكر به كان اعتماده على الخط لا غير كاعتماد المقتدي على الإمام فكان الخط إمامه دون الحفظ.
وذكر أبو الحسين في"المعتمد"إذا روى الراوي الحديث من كتابه, فإن علم أنه قرأه على نهجه أو حدثه به وتذكر ألفاظ قراءته ووقتها أو لم يتذكر جازت الرواية والأخذ بها; لأنه عالم في الحال بأنه قرأ جميع ما في الكتاب أو سمعه منه وإن علم أنه لم يسمع ذلك الكتاب أو يظن ذلك أو يجوز الأمرين تجويزا على السوية فلا يجوز له روايته; لأنه ليس له أن يخبر بما يعلم أنه كاذب فيه أو ظان أو شاك وإن لم يتذكر سماعه لما في الكتاب ولا قراءته ولكن يغلب على ظنه ذلك لما يرى من خطه فهذا هو الذي ينبغي أن يكون محل الخلاف فعند أبي حنيفة رحمه الله لا يجوز له أن يروي ولا يجوز العمل بروايته وعند أبي يوسف ومحمد والشافعي رحمهم الله يجوز له الرواية ويجب العمل بها; لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعملون على كتب النبي عليه السلام نحو كتابه لعمرو بن حزم من غير أن راويا روى ذلك الكتاب لهم بل عملوا لأجل الخط وأنه منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاز مثله لغيرهم.
قوله"وإنما يدخل الخط في ثلاثة فصول"أي يتحقق الاعتماد على الخط وعدمه