قيام الأصل على نحو ما مر تقسيمه في باب العزيمة والرخصة. وأما القسم الثاني فلا رخصة فيه إلا لمن حوى إلى علم اللغة فقه الشريعة"كشف"والعلم بطريق الاجتهاد; لأنه إذا لم يكن"ثالث"كذلك لا يؤمن عليه أن ينقله إلى ما لا يحتمل ما احتمله اللفظ المنقول من خصوص أو مجاز ولعل المحتمل هو المراد ولعله يزيده عموما فيخل بمعانيه فقها وشريعة.
ـــــــ
لما احتمله اللفظ يعني إذا لم يكن فقيها ربما ينقله إلى عبارة لا تكون في احتمال الخصوص والمجاز مثل العبارة الأولى بأن يضم إليها من المؤكدات ما يقطع احتمال الخصوص إن كانت عامة والمجاز إن كانت حقيقة ولعل المحتمل هو المراد فيفسد المعنى ويتغير الحكم, مثاله قوله عليه السلام:"من بدل دينه فاقتلوه"1 فموجبه العموم; لأن كلمة من تتناول الذكر والأنثى والصغير والكبير لكن المراد منه محتمله وهو الخصوص إذ الأنثى والصغير ليسا بمرادين منه لما عرف فلو لم يكن للناقل معرفة بالفقه ربما ينقله بلفظ لم يبق فيه احتمال الخصوص بأن قال مثلا كل من ارتد فاقتلوه ذكرا كان أو أنثى وحينئذ يفسد المعنى. وقوله عليه السلام:"لا وضوء لمن لم يسم"فإن موجبه وحقيقته نفي الجواز ومحتمله نفي الفضيلة والمحتمل هو المراد لدلائل دلت عليه فلو لم يكن الناقل بالمعنى فقيها ربما ينقله بلفظ لا يبقى فيه هذا الاحتمال بأن قال مثلا لا يجوز وضوء من لم يسم فيتغير الحكم ويفسد المعنى, ولعله أي الناقل يريده عموما بأن يذكر جمع الكثرة مقام جمع القلة أو يذكر لفظ الجماعة مكان الطائفة أو يذكر لفظ الجنس مقام العام صفة ومعنى.
وأما القسم الثالث وهو المشكل والمشترك فلا يخل نقله بالمعنى لما ذكر في الكتاب وذلك مثل قوله عليه السلام:"الطلاق بالرجال"فإن معناه إيجاد الطلاق أو إظهار الطلاق فكان بمنزلة المشترك ومثل قوله عليه السلام:"المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا"2 فإن التفرق اسم مشترك يحتمل التفرق في القول والبدن كذا رأيت بخط شيخي رحمه الله.
ـــــــ
1 أخرجه البخاري في الجهاد باب رقم 149، والترمذي في الحدود حديث رقم 1458، وأبو داود في الحدود حديث رقم 4351، وابن ماجه في الحدود حديث رقم 2535، والإمام أحمد (2/7) و282.
2 أخرجه البخاري في البيوع باب رقم 32، ومسلم في البيوع حديث رقم 45، والنسائي في البيوع باب رقم 9.