وأما القسم الثالث فلا يخل فيه النقل; لأنه لا يفهم معناه إلا بتأويل وتأويله على غيره ليس بحجة. وأما الرابع فلا يتصور فيه النقل لما مر أن المجمل ما لا يفهم مراده إلا بالتفسير والمتشابه ما انسد علينا باب دركه وابتلينا بالكف عنه. وأما الخامس فإنه لا يؤمن فيه الغلط لإحاطة الجوامع بمعان قد يقصر عنها عقول ذوي الألباب, وكل مكلف بما في وسعه, وذلك مثل قول النبي عليه السلام"والخراج بالضمان"وذلك أكثر من أن يحصى ويعد ومن مشايخنا من لم يفصل بين الجوامع وغيرها لكن هذا أحوط الوجهين عندنا والله أعلم بالصواب.
ـــــــ
قوله"وأما القسم الخامس"وهو جوامع الكلم فلا يؤمن فيه أي في نقله بالمعنى الغلط لإحاطة الجوامع به فلا يخل نقله بالمعنى وكل مكلف بما وسعه كأنه جواب عما يقال لما كان المعنى هو المقصود من السنة لألفاظها ولا يمكن درك معاني جوامع الكلم ينبغي أن لا يجب نقله باللفظ فقال إن لم يقدر على درك المعاني فهو قادر على تبليغ اللفظ فكلف بما كان في وسعه, وذلك مثل قوله عليه السلام"الخراج بالضمان"1 أي غلة العبد المشترى الحاصلة قبل الرد بالعيب طيبة للمشتري; لأنه لو هلك قبل الرد هلك من ماله كذا في لبات الغربيين. وفي الفائق كل ما خرج من شيء فهو خراجه فخراج الشجر ثمره, وخراج الحيوان دره ونسله. قوله عليه السلام"الغرم بإزاء الغنم""العجماء جبار"2"لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"3"البينة على المدعي واليمين على من أنكر". ومن مشايخنا من لم يفصل بين الجوامع وغيرها يعني إن كانت الكلمة الجامعة ظاهرة المعنى يجوز نقلها بالمعنى عندهم كما يجوز نقل سائر الظواهر ولكن بالشرط الذي ذكرنا في الظاهر وهو أن يكون جامعا لعلم اللغة وفقه الشريعة; لأنه إذا كان كذلك يؤمن في نقله عن زيادة أو نقصان يخل بمعنى الكلام كما بينا في الظاهر.
"لكن هذا"أي عدم الجواز الذي دل عليه فحوى الكلام أحوط الوجهين وهما الجواز وعدم الجواز لما ذكر في الكتاب قال شمس الأئمة رحمه الله والأصح عندي أنه
ـــــــ
1 أخرجه الترمذي في البيوع حديث رقم 1285-1286، وأبو داود في الإجازة حديث رقم 3508-3510، والإمام أحمد في المسند 6/48.
2 أخرجه مسلم في الحدود حديث رقم 1710، والترمذي في الزكاة حديث رقم 642، وأبو داود في الديات حديث رقم 4593، وابن ماجه حديث رقم 2673، والإمام أحمد في المسند 2/228.
3 أخرجه ابن ماجه في الأحكام حديث رقم 2340، وابن ماجه عن ابن عباس حديث رقم 2341، والإمام أحمد في المسند 5/327.