برواية مجاهد أنه قال صحبت ابن عمر سنين فلم أره يرفع يديه إلا في تكبيرة الافتتاح.
وأما عمل الراوي ببعض محتملاته فرد لسائر الوجوه لكنه لم يثبت الجرح بهذا; لأن احتمال الكلام لغة لا يبطل بتأويله وذلك مثل حديث ابن عمر"المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا"وحمله على افتراق الأبدان والحديث محتمل
ـــــــ
قوله"ومثل حديث ابن عمر في رفع اليدين"روى جابر عن"سالم بن عبد الله أنه رفع يديه حذاء منكبيه في الصلاة حين افتتح الصلاة وحين ركع وحين رفع رأسه فسأله جابر عن ذلك فقال رأيت ابن عمر رضي الله عنهما يفعل ذلك. وقال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك1"ثم روي عنه من فعله بعد النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ذلك على ما قال مجاهد صليت خلف ابن عمر فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى فعمله بخلاف ما روي لا يكون إلا بعد ثبوت نسخه فلا يقوم به الحجة, فإن قيل ما ذكر مجاهد معارض بما ذكر طاوس2 أنه رأى ابن عمر يفعل ما يوافق ما روي عنه عن النبي عليه السلام قلنا يجوز أنه فعل ذلك كما رواه طاوس قبل العلم بنسخه ثم تركه بعدما علم به وفعل ما ذكره عنه مجاهد وهكذا ينبغي أن يحمل ما روي عنهم وينفى عنهم الوهم حتى يتحقق ذلك وإلا سقط أكبر الروايات, إليه أشير في"شرح الآثار".
قوله:"وأما عمل الراوي ببعض محتملاته"أي محتملات الحديث بأن كان اللفظ عاما فعمل بخصوصه دون عمومه أو كان مشتركا أو بمعنى المشترك فعمل بأحد وجوهه فذلك رد منه لسائر الوجوه لكن لا يثبت الجرح في الحديث بهذا أي بعمل الراوي ببعض محتملاته وتعيينه, ذلك; لأن الحجة هي الحديث وبتأويله لا يتغير ظاهر الحديث واحتماله للمعاني لغة وتأويله لا يكون حجة على غيره كما لا يكون اجتهاده حجة في حق غيره فوجب عليه التأمل والنظر فيه فإن اتضح له وجه وجب عليه اتباعه."وذلك"أي الحديث الذي عمل الراوي ببعض محتملاته مثل حديث ابن عمر رضي الله عنهما"المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا"ليس في الحديث بيان ما وقع التفرق عنه فيحتمل أن يكون المراد منه التفرق بالأقوال فإن البائع إذا قال بعت والمشتري إذا قال اشتريت فقد تفرقا بذلك
ـــــــ
1 أخرجه مسلم في الصلاة رقم 390 وأبو داتود في الصلاة حديث رقم 721 - 722 ، والترمذي في الصلاة حديث رقم 255 وابن ماجة في الإقامة حديث رقم 858.
2 هو طاوس بن كيسان أبو عبدالرحمن اليماني الجندي توفي سنة 106هـ، أنظر تذكرة الحفاظ 1/9 - 92.