ذلك مجتهدا في كونه جرحا أو متفقا عليه, فإن كان متفقا عليه فعلى وجهين أيضا إما أن يكون الطاعن موصوفا بالإتقان والنصيحة أو بالعصبية والعداوة. أما القسم الأول فمثال ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"فقد حلف عمر أن لا ينفي أحدا أبدا, وقال علي رضي الله عنه كفى بالنفي فتنة وهذا من جنس ما لا يحتمل الخفاء عليهما; لأن إقامة الحدود من خط الأئمة ومبناه على الشهرة وعمر وعلي رضي الله عنهما من أئمة الهدى فلو صح لما خفي وهذا لأنا تلقينا الدين منهم فيبعد أن يخفى عليهم فيحمل ذلك على الانتساخ وكذلك لما امتنع عمر من القسمة في سواد العراق علم أن القسمة من رسول الله عليه السلام لم تكن حتما, وقال محمد بن سيرين في
ـــــــ
رضي الله عنه كفى بالنفي فتنة ولو كان النفي حدا لما سماه فتنة, وهذا أي خروج الحديث من كونه حجة بمخالفة بعض الأئمة من الصحابة باعتبار انقطاع توهم أنه لم يبلغه; لأنا تلقينا الدين منهم فيبعد أن يخفى عليهم مثل هذا الحديث ولا يظن بهم مخالفة حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحال فأحسن الوجوه فيه أن من خالف علم انتساخه أو علم أن ذلك الحكم لم يجب حتما.
قوله:"وكذلك لما امتنع عمر"إذا فتح الإمام بلدة عنوة وقهرا كان للإمام أن يجعلهم أرقاء ويقسمهم وأراضيهم بين الغانمين وله أن يدعهم أحرارا يضرب عليهم الجزية ويترك الأراضي عليهم بالخراج ولا يقسمها, وقال الشافعي رحمه الله له ذلك في الرقاب دون الأراضي; لأن"النبي صلى الله عليه وسلم قسم خيبر حين فتحها بين الصحابة"وكذلك كان يفعل في كل بلدة فتحها, ولعلمائنا رحمهم الله أن عمر رضي الله عنه لما فتح السواد قهرا وعنوة من عليهم برقابهم وأراضيهم وجعل عليهم الجزية في رءوسهم والخراج في أراضيهم مع علمنا أنه لم يخف عليه قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر وغيرها بين الصحابة حين افتتحها عرفنا أن ذلك لم يكن حكما حتما منه عليه السلام على وجه لا يجوز غيرها في الغنائم إذ لو كان حتما لما امتنع عنه, وإنما فعل ذلك بعد ما شاور الصحابة فإنه روي أنه استشارهم مرارا ثم جمعهم فقال أما إني لو تلوت من كتاب الله تعالى استغنيت بها عنكم ثم تلا قوله عز وجل: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} "الحشر: 7"، إلى قوله عز ذكره {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} "الحشر: 10"، ثم قال أرى لمن بعدكم في هذا الفيء نصيبا ولو قسمتها بينكم لم يكن لما بعدكم نصيب فمن بها عليهم وجعل الجزية على رءوسهم والخراج على أراضيهم ليكون ذلك لهم ولمن يأتي بعدهم من المسلمين, ولم