فهرس الكتاب

الصفحة 1157 من 2201

المسلمين ظاهرة خصوصا في القرون الأولى فلو وجب الرد بمطلق الطعن لبطلت السنن ألا يرى أن شهادة الحكم أضيق من هذا ولا يقبل فيها من المزكي الجرح المطلق فهذا أولى, وإذا فسره بما لا يصلح جرحا لم يقبل وذلك مثل من

ـــــــ

خصوصا في القرون الأولى وهي القرون الثلاثة التي شهد النبي صلى الله عليه وسلم بعدالتها فلا يترك هذا الظاهر بالجرح المبهم; لأن الجارح ربما اعتقد ما لا يصلح سببا للجرح جارحا بأن ارتكب الراوي صغيرة من غير إصرار أو شرب النبيذ معتقدا إباحته أو لعب بالشطرنج كذلك فجرحه بناء عليه. وكذا العادة الظاهرة أن الإنسان إذا لحقه من غيره ما يسوءه فإنه يعجز عن إمساك لسانه عنه فيطعن فيه طعنا مبهما إلا إن عصمه الله عز وجل ثم إذا استفسر لا يكون له أصل فثبت أن لا بد فيه من بيان السبب, بخلاف التعديل; لأن أسبابه لا تنضبط ولا تنحصر فلا معنى للتكليف بذكرها, وقولهم الغالب أنه ما أخبر إلا وهو صادق في مقاله غير مسلم لجواز أن يكون إخباره بناء على اعتقاده. وكذا قولهم الظاهر أنه يكون عارفا بمواقع الخلاف لجواز أن لا يعرف ذلك, قال الغزالي رحمه الله والصحيح عندنا أن هذا مختلف باختلاف أحوال المعدل فمن حصلت الثقة ببصيرته وضبطه يكتفى بإطلاقه ومن عرفت عدالته في نفسه ولم يعرف بصيرته بأسباب الجرح والتعديل استخبرناه عن السبب, وذكر أبو عمرو الدمشقي في كتاب معرفة أنواع علم الحديث في هذه المسألة أن البخاري قد احتج بجماعة سبق من غيره الجرح لهم كعكرمة مولى ابن عباس وكإسماعيل بن أبي أويس وعاصم بن علي وعمرو بن مرزوق وغيرهم, واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم وهكذا فعل أبو داود السختياني1 وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه.

فإن قيل: قد اعتمد الناس في جرح الرواة على الكتب التي صنفها أئمة الحديث فيه وقلما يتعرضون فيها لبيان السبب بل يقتصرون على مجرد قولهم فلان ضعيف وفلان ليس بشيء أو هذا حديث ضعيف وهذا حديث غير ثابت ونحو ذلك فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك, فالجواب أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به فقد اعتمدناه في أن يوقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية يوجب مثلها التوقف ثم من انزاحت عنه الريبة منهم نبحث عن حاله قبلنا حديثه ولم نتوقف كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما ممن منهم مثل هذا الجرح من غيرهم.

ـــــــ

1 هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد الأزدي السجستاني أبو داود الحافظ الفقيه 202-275هـ. طبقات الحنابلة 1/118-120.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت