باهلته إن سورة النساء الصغرى {وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ} نزلت بعد التي في سورة البقرة وأراد به قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} [البقرة: 234 - 240] الآية وكان ذلك ردا على من قال بأبعد الأجلين. وأما الذي يثبت دلالة فمثل النصين تعارضا في الحظر والإباحة أن الحاظر يجعل آخرا ناسخا دلالة; لأنا نعلم أنهما وجدا في زمانين ولو كان الحاظر أولا كان ناسخا للمبيح ثم كان المبيح ناسخا فتكرر النسخ, وإذا تقدم المبيح ثم الحاظر لم يتكرر فكان المتيقن أولى
ـــــــ
المباهلة فلا معنى للجمع بينهما, والمباهلة مفاعلة من البهلة بضم الباء وفتحها وهي اللعنة ويروى لاعنته. وذلك أنهم كانوا إذا اختلفوا في شيء اجتمعوا وقالوا بهلة الله على الظالم كذا في المغرب فجعل ابن مسعود رضي الله عنه التأخر دليل النسخ ولم ينكره علي رضي الله عنه فثبت أنه كان معروفا فيما بينهم أن المتأخر من النصين ناسخ للمتقدم.
قوله"وأما الذي ثبت دلالة"إلى آخره إذا اجتمع المبيح والمحرم نقل عن عيسى بن أبان وأبي هاشم أنهما يطرحان ويرجع المجتهد إلى غيرهما من الأدلة كالوليين عقد كل واحد منهما على المولية ولا يعلم تقدم أحدهما أنهما يبطلان وكالغرقى بعضهم على البعض, وفي القواطع لأبي منصور السمعاني إذا اقتضى أحد الخبرين الحظر والآخر الإباحة ففيه وجهان أحدهما أنهما سواء; لأنهما حكمان شرعيان وصدق الراوي فيهما على وتيرة واحدة, والوجه الآخر وهو الأصح أن الحاظر أولى; لأنه أحوط, وعندنا يرجح المحرم لقوله عليه السلام:"ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال"وقوله عليه السلام:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك1"ولا يريبه جواز ترك هذا الفعل; لأنه بين كونه حراما أو مباحا وإنما يريبه جواز فعله فيجب تركه, ولما روي عن عمر رضي الله عنه قال في الأختين المملوكتين أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحريم أولى ولأن من طلق إحدى نسائه أو أعتق إحدى إمائه ونسيها يحرم عليه وطء جميعهن بالاتفاق ترجيحا للحرمة. وما ذكر في الكتاب من كون المحرم ناسخا; لأنا نعلم أنهما وجدا في زمانين إذ لو كانا في زمان واحد لكانا متناقضين ونسبة التناقض إلى الشارع محال ثم لو كان الحاظر متقدما يتكرر النسخ ولو كان المبيح متقدما لا يتكرر فكان المتيقن وهو النسخ مرة أولى من الأخذ بالتكرار الذي فيه احتمال, أو معناه أن الحاظر ناسخ بيقين
ـــــــ
1 أخرجه الترمذي في صفة القيامة حديث رقم 2518.والإمام أحمد في المسند 1/20.