فهرس الكتاب

الصفحة 1196 من 2201

شريعتنا وذلك ما روي عن النبي عليه السلام أنه حرم الضب وروي أنه أباحه وحرم لحوم الحمر الأهلية وروي أنه أباحه وكذلك الضبع وما يجري مجرى

ـــــــ

ووجه قول الواقفية أن الحرمة أو الإباحة لا تثبت إلا بالشرع فقبل وروده لا يتصور ثبوت واحد منهما فلا يحكم فيها بحظر ولا إباحة.

ثم الشيخ رحمه الله اختار القول الأول إلا أنه لم يقل بكون الإباحة أصلا على الإطلاق على معنى أن الله تعالى خلق الأشياء في أصل وضعها مباحة من غير تكليف بحظر وتحريم ثم بعث الأنبياء عليهم السلام وأوحى إليهم بحظر بعضها وإبقاء بعضها على الإباحة الأصلية لأن ذلك إنما يستقيم أن لو خلق الخلائق ولم يكلفوا بشيء مدة ثم بعث فيهم الأنبياء بالتكليف فكلفوا بتحريم البعض وإبقاء الباقي على ما كان وليس الأمر كذلك إذ الناس لم يتركوا سدى أي مهملا في زمان فإن أول البشر آدم عليه السلام وهو كان صاحب شرع قد أتى بالأمر والنهي والحظر والإباحة ولم يخل قرن بعده عن دليل سمعي وإن فتر بحيث يحتاج إلى تحديد النظر كما قال الله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ} "فاطر: 24"، أي وما من أمة فيما مضى إلا جاءهم منذر. وإذا كان كذلك تعذر القول بكون الإباحة أصلا على الإطلاق فلذلك لم يقل الشيخ به وإنما قال بكونها أصلا في زمان الفترة وهو الزمان الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام; لأن الإباحة والحرمة قد ثبتتا في الأشياء بالشرائع الماضية وبقيتا إلى زمان الفترة ثم كانت الإباحة ظاهرة في زمان الفترة فيما بين الناس فيبقى إلى أن يثبت الدليل الموجب للحرمة في شريعتنا فهذا هو المراد بكون الإباحة أصلا لا أنها أصل على الإطلاق, وفي الحقيقة هو بيان محل الخلاف; لأنه لا يتصور القول بالإباحة أو الحظر أو التوقف قبل وجود الخلائق; لأن هذه الأحكام بالنسبة إليهم وبعدما وجدوا لم يتركوا سدى في زمان فلم يكن محل الخلاف إلا زمان الفترة. ويؤيده ما ذكر في شرح التأويلات في هذه المسألة وهذا الخلاف إنما يتحقق فيمن بلغ في شاهق جبل ولم يبلغه دليل السمع أو في زمان الفترة, وذكر عبد القاهر البغدادي وهذا أي الوقف مذهب أبي الحسن الأشعري وضرار1 وبشر المريسي وبه قال أكثر أصحاب الشافعي مع قولهم بأنه لم يخل زمان العقلاء عن شريعة وإنما تكلموا في هذه المسألة على تقدير كونها لا على تقدير حصولها, وذكر أبو اليسر في آخر هذه المسألة والصحيح من الأقوال أن ما يجوز أن يحرم تارة ويباح أخرى فقبل ورود الشرع أو في حق من لم يبلغ إليه الشرع لا يوصف بالحرمة ولا بالإباحة وفعل الإنسان

ـــــــ

1 هو ضرار بن عمرو كان أول أمره تلميذا لواصل بن عطاء ، مروج الذهب 3/26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت