فهرس الكتاب

الصفحة 1206 من 2201

لمزية في الصدق إلا أن هذا خلاف السلف فإنهم لم يرجحوا بزيادة العدد

ـــــــ

ولا يخفى أن الظنون المجتمعة كلما كانت أكثر كانت أغلب على الظن حتى ينتهي إلى القطع, ولهذا رجح محمد رحمه الله في كتاب الاستحسان قول الاثنين على قول الواحد فيما إذا أخبر واحد بطهارة الماء أو بحل الطعام والشراب واثنان بالنجاسة أو بالحرمة أو على القلب يجب العمل بخبر الاثنين لما ذكرنا, يؤيده أن في باب الشهادة يرجح خبر الاثنين على خبر الواحد حتى كان خبر المثنى حجة لطمأنينة القلب إليه دون خبر الواحد فكذلك في الأخبار, وقد اشتهر من الصحابة رضي الله عنهم الاعتماد على خبر المثنى دون الواحد.

ولنا أن خبر الواحد وخبر الاثنين والثلاثة وأكثر من ذلك في إيقاع العلم سواء فإن كل واحد يوجب علم غالب الرأي فلا يترجح أحد الخبرين بكثرة المخبرين كما في الشهادة فإنها لا تترجح بكثرة العدد لاستواء الاثنين وما فوقهما في إيقاع العلم وكون كل واحد حجة وليس هذا مثل الإخبار عن نجاسة الماء وطهارته فإن المخبر هناك يخبر عن معاينة وحقيقة فكان في معنى الشهادة وقول الواحد ليس بحجة من حيث الشهادة وقول الاثنين حجة فكان العمل به أوجب. أما هاهنا فالخبر لا يخبر عن معاينة فكان خبرا محضا وخبر الواحد والاثنين فيه سواء هذا هو الفرق بين المسألتين, كذا ذكره أبو اليسر.

ولقائل أن يقول المخبر هاهنا يخبر عن معاينة أيضا فإنه يخبر عن سماعه من الرسول عليه السلام أو من غيره من الرواة فكان في معنى الشهادة فينبغي أن يترجح خبر الاثنين على الواحد, والصحيح ما ذكره الإمام شمس الأئمة رحمه الله أن هذا النوع من الترجيح قول محمد خاصة فقد ذكر نظيره في السير الكبير أن أهل العلم بالسير ثلاث فرق: أهل الشام وأهل الحجاز وأهل العراق فكل ما اتفق فيه الفريقان منهم على قول أخذت بذلك وتركت ما انفرد به فريق واحد وهذا ترجيح بكثرة القائلين صار إليه محمد, وأبى ذلك أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله. قال والصحيح ما قالا فإن كثرة العدد لا تكون دليل قوة الحجة قال تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37] و [الأعراف: 131] والأنفال: 34"و [يونس: 55] و [القصص: 13 - 57] و [الزمر: 39] و [الدخان: 39] و [الطور: 47] {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] وقال: {مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ} [الكهف: 22] {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [ص: 24] ثم السلف من الصحابة وغيرهم لم يرجحوا بكثرة العدد في باب العمل بأخبار الآحاد فالقول به يكون قولا بخلاف إجماعهم أرأيت لو وصل إلى السامع أحد الخبرين بطريق واحد والآخر بطرق أكان يرجح ما وصل إليه بطريق إذا كان راوي الأصل واحدا فهذا لا يقول به أحد, وذكر في"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت