دون الظهور ومنه قول النبي عليه السلام"إن من البيان لسحرا"أي الإظهار.والبيان على أوجه: بيان تقرير وبيان تفسير وبيان تغيير وبيان تبديل وبيان ضرورة فهي خمسة أقسام.
ـــــــ
وأكثر أصحاب الشافعي معناه ظهور المراد للمخاطب والعلم بالأمر الذي حصل له عند الخطاب; لأن أصله للظهور يقال بان هذا المعنى لي بيانا أي ظهر واتضح وبان الهلال أي ظهر وانكشف ولكنا نقول أكثر استعماله بمعنى الإظهار فإن الرجل إذا قال بين فلان كذا بيانا يفهم منه أنه أظهر إظهارا لم يبق معه شك, وإذا قيل فلان ذو بيان يراد منه الإظهار وكذا في التنزيل الذي هو أفصح اللغات ورد بمعنى الإظهار كما ذكرنا, وقول النبي صلى الله عليه وسلم"إن من البيان لسحرا"يدل عليه أيضا فإنه عبارة عن الإظهار أيضا. قال الجوهري والبيان الفصاحة واللسن ومنه قوله عليه السلام"إن من البيان لسحرا"وإذا كان كذلك كان جعله بمعنى الإظهار أولى. ومن جعله بمعنى الظهور دون الإظهار يلزمه القول بأن كثيرا من الأحكام لا يجب على من لا يتأمل في النصوص, ولا يجب الإيمان على من لا يتأمل في الآيات الدالة ما لم يتبين لهم; لأن الظهور عبارة عن العلم للمكلف بما أريد منه ولم يحصل له ذلك وهو فاسد قال شمس الأئمة رحمه الله قد"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مأمورا بالبيان للناس"قال الله تعالى: {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] وقد علمنا أنه بين للكل من وقع له العلم ببيانه فأقر ومن لم يقع له العلم فأصر, ولو كان البيان عبارة عن العلم الواقع للمبين له لما كان هو متمما للبيان في حق الناس كلهم.
قوله عليه السلام:"إن من البيان لسحرا"عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قدم رجلان من المشرق فخطبا فتعجب الناس لبيانهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن من البيان لسحرا, وإن من الشعر لحكمة1"قيل معنى تسميته بالسحر أن بالسحر يستمال القلوب فكذا بالبيان الفصيح يستمال القلوب وكما أن في السحر إراءة ما ليس بحق في لباس الحق فكذا في الفصاحة والبيان إراءة المعنى الذي ليس بمتين في لباس المعنى الذي هو متين والأوجه أن يقال السحر في زعمهم هو الإتيان بشيء يتعجب الناس عنه ويعجزون عن الإتيان بمثله مع مساواتهم من أتى به في أسباب القدرة والآلات, والبيان الفصيح قد يبلغ في الحسن والملاحة غاية يتعجب الناس عنه ويعجزون عن الإتيان بمثله مع تساوي الكل في أسباب التكلم وآلات النطق فيسمى سحرا., ثم قيل معنى الحديث ذم التصنع في
ـــــــ
1 أخرجه الترمذي في الأدب حديث رقم 2845 ، وأبو داود في الأدب حديث رقم 5011 ، ومسلم في الجمعة حديث رقم 869 ، وأخرجه الإمام أحمد في المسند رقم 1/269.