فهرس الكتاب

الصفحة 1235 من 2201

ـــــــ

قال واحترزنا بقولنا ذو صيغ محصورة عن قوله رأيت المؤمنين ولم أر زيدا فإن العرب لا تسميه استثناء وإن أفاد ما يفيد قولنا إلا زيدا, وقيل هو لفظ لا يستقل بنفسه متصل بجملة بإلا أو إحدى أخواتها دال على أن مدلوله غير مراد مما اتصل به

أما شروطه فثلاثة: أحدها الاتصال وقد بيناه.

والثاني أن يكون المستثنى داخلا في الكلام لولا الاستثناء كقولك رأيت القوم إلا زيدا وزيد منهم ورأيت عمرا إلا وجهه, فإن لم يكن داخلا كان الاستثناء منقطعا ولا يكون استثناء حقيقة فكان هذا الشرط لكونه حقيقة لا لصحته.

والشرط الثالث أن لا يكون مستغرقا; لأنه إذا كان مستغرقا كان رجوعا لا استثناء كذا قيل, وهذا ليس بصحيح; لأن استثناء الكل فيما يصح الرجوع عنه باطل أيضا مثل أن يقول أوصيت لفلان بثلث مالي إلا ثلث مالي كان الاستثناء باطلا والصحيح أنه إنما لا يجوز; لأن الاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا وفي استثناء الكل لا يتوهم بقاء شيء بجعل الكلام عبارة عنه, وهذا بلا خلاف وإنما الخلاف في الاستثناء المساوي والأكثر نحو قوله علي عشرة إلا خمسة أو إلا ستة إلى تسعة فذهبت العامة إلى جوازهما وذهبت الحنابلة والقاضي أبو بكر الباقلاني إلى منعهما وذهب الفراء وابن درستويه1 إلى المنع في الأكثر خاصة; لأن العرب تستقبح استثناء الأكثر وتستهجن قول القائل رأيت ألفا إلا تسعمائة وتسعة وتسعين, وإذا ثبت كراهتهم واستثقالهم ثبت أنه ليس من كلامهم, واحتجت العامة بقوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} "الحجر: 42"وهو استثناء الأكثر بدليل قوله عز وجل: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103] {وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 107] {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ} [هود: 17"فدل على الجواز, وبقوله تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ِصْفَهُ} [المزمل: 2] , ولما جاز استثناء النصف جاز استثناء الأكثر أيضا; لأنه لا فرق بينهما في أن كل واحد منهما ليس بأقل وقولهم هو مستقبح ممنوع بل استثقال وليس باستقباح ولئن سلمنا فالاستقباح لا يمنع الصحة كقوله علي عشرة إلا تسع سدس ربع درهم فإنه مع كونه في غاية الاستقباح يصح., وأما بيان موجبه فهو أن الاستثناء يمنع التكلم بحكمه أي مع حكمه بقدر المستثنى فيجعل تكلما بالباقي بعد"

ـــــــ

1 هو عبدالله بن جعفر بن درستويه بن المزربان الفارسي النشوي النحوي واللغوي. المتوفي سنة 347هـ ، أنظر البداية والنهاية 11/233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت