فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 2201

والثاني أنه رفع حكم الخبر الواحد فوق منزلته ومن ذلك قوله تعالى: {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] قال محمد والشافعي رحمهما الله: قوله حتى تنكح كلمة وضعت لمعنى خاص, وهو للغاية والنهاية فمن جعله محدثا حلا جديدا لم يكن ذلك عملا بهذه الكلمة ولا بيانا; لأنها ظاهرة فيما وضعت له بل كان إبطالا, ولكنها تكون غاية ونهاية والغاية والنهاية بمنزلة البعض لما وصف بها وبعض الشيء لا ينفصل عن كله فيلغو قبل وجود الأصل

ـــــــ

وعلي وأبي بن كعب وعمران بن الحصين وأبو هريرة رضوان الله عليهم: لا يهدم ما دون الثلاث وبه قال محمد وزفر والشافعي رحمهم الله, ومبنى المسألة على أن الزوج الثاني أي إصابته في الطلقات الثلاث مثبت حلا جديدا أم هو غاية للحرمة الثابتة بها فقط فعند الأولين هو مثبت للحل, وعند الآخرين هو غاية, تمسك الفريق الآخر بأن الله تعالى جعل الزوج الثاني غاية للحرمة بقوله جل ذكره: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} [البقرة: 230] أي الطلقة الثالثة: {فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} أي بعد ذلك التطليق: {حَتَّى تَنْكِحَ} أي تتزوج زوجا غيره أي رجلا أجنبيا وسماه زوجا باعتبار العاقبة كتسمية العنب خمرا وكلمة حتى للغاية وضعا ولا تأثير للغاية في إثبات ما بعدها بل هي منهية فقط, فإذا انتهى المغيا ثبت الحكم فيما بعد بالسبب السابق كما في الأيمان الموقتة ينتهي الحرمة الثابتة بها بالغاية ثم يثبت الإباحة بالسبب السابق وكما في الصوم ينتهي حرمة الأكل والشرب بالليل ثم يثبت الحل بعد الإباحة الأصلية. وكذا الحكم في تحريم البيع إلى قضاء الجمعة وتحريم الاصطياد على المحرم إلى انتهاء الإحرام والظهار الموقت التكفير, فكذا ههنا بإصابة الزوج الثاني ينتهي الحرمة ثم يثبت الحل بالسبب السابق, وهو كونها من بنات آدم خالية عن أسباب الحرمة, ولا يقال قد اضمحل الحل الأول بضده فلا بد من أن يثبت حل آخر يضمحل به الحرمة لاستحالة عود الحل الأول, لأنا نقول نحن لا ننكر ذلك لكنه إنما يثبت بالسبب الذي يثبت به الأول, وهو أنها من بنات آدم لا بالزوج الثاني الذي هو غاية; لأن إضافة الحكم إلى السبب الذي ظهر أثره مرة أولى من إضافته إلى سبب لم يظهر أثره أصلا كمن آجر داره فخرجت المنافع عن ملكه ثم انتهت الإجارة صارت المنافع مملوكة له بملك جديد غير الأول لزوال الأول بالتمليك وعدم ارتفاع سبب الزوال ولكن بالسبب السابق, وهو ملك الدار لا بانتهاء الإجارة.

فمن جعل الزوج الثاني مثبتا حلا جديدا لم يكن ذلك عملا بالكتاب; لأنه لا يقتضي ذلك بل يقتضي كونه غاية فقط, بل كان إبطالا; لأن الكتاب يقتضي أن يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت