قال أبو يوسف هو من باب الاستثناء; لأن إثبات اليد والتسليط نوعان: الاستحفاظ وغيره فإذا نص على الإيداع كان مستثنى والاستثناء من المتكلم تصرف على نفسه فلا يبطل لعدم الولاية بل لا يثبت إلا الاستحفاظ ثم لا ينفذ الاستحفاظ
ـــــــ
في زمان واحد ليتحقق التدافع فيترجح الصريح على الدلالة فأما إذا كانا في زمانين فلا تدافع فيثبت موجب كل واحد منهما كما إذا حج ضرورة بنية النفل, ثم حج في سنة أخرى بمطلق النية يكون مفترضا في الثانية دلالة وهاهنا ثبت القبض بأول كلامه دلالة ولكن لا يمكن اعتبار الصريح; لأنه ليس في وسعه إبطال ما ثبت بالإقرار كما لو صرح بالقبض, ثم قال لم أقبض فيبطل الثاني ضرورة حتى لو كان في وسعه إبطال الأول ثبت موجب الصريح بأن منع من التقاط الثمار الساقطة تحت الأشجار ترتفع الإباحة الثابتة دلالة إذ في وسعه رفعها وإبطالها
قوله"وعلى هذا الأصل"أي على الاستثناء بنيت مسألة إيداع الصبي وهو إضافة المصدر إلى أحد المفعولين وحذف الآخر أي إيداع الصبي شيئا والخلاف فيما إذا أودع مالا سوى العبد والأمة صبيا عاقلا محجورا عليه فاستهلكه لا يضمن عند أبي حنيفة ومحمد ويضمن عند أبي يوسف والشافعي رحمهم الله, فإن هلك بغير صنعه لا ضمان عليه بالإجماع وإن قصر في الحفظ وإن كان مأذونا له في التجارة أو قبل الوديعة بإذن وليه فاستهلكها فهو ضامن بالإجماع وإن كان الوديعة عبدا أو أمة فقتله فالدية على عاقلته بالإجماع وإن كان الصبي غير عاقل فقد ذكر في بعض شروح الجامع الصغير أن الخلاف في العاقل وغير العاقل سواء فإن محمدا رحمه الله ذكر المسألة في الوديعة ولم يذكر, وقد عقل. وذكر القاضي الإمام فخر الدين وصدر الإسلام والإمام التمرتاشي في شروح الجامع الصغير والإمام الإسبيجابي رحمهم الله في المبسوط أن الخلاف فيما إذا كان عاقلا, فإن لم يكن عاقلا فلا يضمن في قولهم جميعا. وذكر الشيخ المصنف رحمه الله في شرح الجامع الصغير أن الخلاف في الصبي الذي يعقل فأما الذي لا يعقل فيجب أن يضمن بالإجماع; لأن تسليطه هدر وفعله معتبر. وجه قول أبي يوسف والشافعي رحمهما الله أن إيداعه من باب الاستثناء; لأن إثبات يد الغير على المال وتسليطه عليه يتنوع نوعين قد يكون للاستحفاظ, وقد يكون لغيره من الإباحة والتمليك والتوكيل ونحوها فإذا نص على الإيداع بقوله احفظه كان بيانا أنه أراد بالتسليط التمكين للحفظ لا غير وإن غير الاستحفاظ مستثنى مما تناوله مطلق التسليم; لأن الاستثناء يبين أن مراد المتكلم ما وراء المستثنى وهاهنا بهذه المثابة فكان استثناء معنى وفي بعض النسخ كان مستثنيا أي كان المودع بقوله احفظ مستثنيا لغير الاستحفاظ مما تناوله مطلق التسلط.