ويدل في موضع الحاجة إلى البيان على البيان مثل سكوت الصحابة رضوان الله عليهم عن تقويم منفعة البدن في ولد المغرور وما أشبه ذلك
ـــــــ
سكوت صاحب الشرع عند أمر يعاينه من قول أو فعل عن التغيير يدل خبر مبتدإ محذوف أي هو يدل على الحقيقة مثل ما شاهد من بياعات ومعاملات كان الناس يتعاملونها فيما بينهم ومآكل ومشارب وملابس كانوا يستديمون مباشرتها فأقرهم عليها ولم ينكرها عليهم فدل أن جميعها مباح في الشرع إذ لا يجوز من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقر الناس على منكر محظور فإن الله تعالى وصفه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله عز ذكره {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} [الأعراف] فكان سكوته بيانا أن ما أقرهم عليه داخل في المعروف خارج عن المنكر.
وذكر في في بعض نسخ أصول الفقه أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا علم بفعل أو قول صدر عن مكلف وسكت عنه وقرره ولم ينكر عليه مع كونه قادرا على الإنكار فلا يخلو إما أن يكون من الأفعال والأقوال التي سبق من النبي عليه السلام النهي عنها وتحريمها ومن المباشر الإصرار عليها واعتقاد إباحتها أو لا يكون كذلك فإن كان الأول كسكوته عند رؤيته كافرا يمشي إلى كنيسة عن الإنكار فلا يدل على جواز ذلك الفعل ولا على كون النهي منسوخا بالاتفاق وإن كان الثاني فقد اختلف فيه قال قوم إن لم يسبقه تحريم فتقريره دل على الجواز ونفي الحرج, وإن سبقه تحريم فتقريره يدل على النسخ وذهبت طائفة إلى أن تقريره لا يدل على الجواز والنسخ متمسكين بأن السكوت وعدم الإنكار محتمل إذ من الجائز أنه عليه السلام سكت لعلمه بأنه لم يبلغه التحريم فلم يكن الفعل عليه إذ ذاك حراما أو سكت; لأنه أنكر عليه مرة فلم ينجح فيه الإنكار وعلم أن إنكاره ثانيا لا يفيد فلم يعاود وأقره على ما كان عليه, وإذا كان كذلك لا يصلح دليلا على الجواز والنسخ
وحجة الفريق الأول أن سكوته عليه السلام لو لم يدل على الجواز إن لم يسبق تحريم وعلى النسخ إن سبق لزم ارتكاب محرم وهو باطل, وذلك لأن الفعل أو القول الصادر لو لم يكن جائزا لكان التقرير عليه والسكوت عن الإنكار مع القدرة عليه حراما في حق غير النبي فكيف في حقه مع قوله عليه السلام"الساكت عن الحق شيطان أخرس"وفيه أيضا تأخير البيان عن وقت الحاجة; لأن السكوت عن الباطل يوهم الجواز أو النسخ وأنه غير جائز بالإجماع إلا عند من يجوز تكليف المحال وقولهم: يحتمل أنه لم يبلغه التحريم فاسد; لأن عدم بلوغ التحريم إليه غير مانع من الإنكار والإعلام بأن تلك الفعل أو القول حرام بل الإعلام بالتحريم واجب حتى لا يعود إليه ثانيا وإلا كان السكوت موهما عدم التحريم أو النسخ وكذا إذا بلغه التحريم ولم ينزجر بالإنكار مرة مع كونه مسلما