فهرس الكتاب

الصفحة 1287 من 2201

بلغهم بما هو طريق العلم عن موسى صلوات الله عليه أن لا نسخ لشريعته واحتج أصحاب القول الآخر أن الأمر يدل على حسن المأمور به والنهي عن الشيء يدل على قبحه والنسخ يدل على ضده ففي ذلك ما يوجب البداء والجهل بعواقب الأمور ودليلنا على جوازه ووجوده سمعا وتوقيفا أن أحدا لم ينكر

ـــــــ

وزعموا أن هذا مكتوب في التوراة عندهم. وزعموا أنه بلغهم بالطريق الموجب للعلم وهو التواتر عن موسى عليه السلام أنه قال: إن شريعتي لا تنسخ وأنه قال تمسكوا بشريعتي ما دامت السموات والأرض وأنه قال أنا خاتم النبيين قالوا: وإذا ثبت ذلك من قوله عندنا لم يجز لنا تصديق من ادعى نسخ شريعته كما أنكم لما زعمتم أن نبيكم قال لا نبي بعدي. وقال أنا خاتم النبيين لم تصدقوا من ادعى بعد ذلك نسخ شريعته وبهذا الطريق طعنوا في رسالة محمد صلى الله عليه وقالوا لا يجوز تصديقه من أجل العمل بالسبت ولا يجوز أن يأتي بمعجزة تدل على صدقه

وأما من أنكره ورده عقلا فقد احتج بوجوه من الشبه أحدها وهو المذكور في الكتاب أن الأمر بالشيء يدل على حسن المأمور به والنهي عن الشيء يدل على قبح المنهي عنه والنسخ يدل على ضده أي نسخ كل واحد من الأمر والنهي يدل على ضد ما دل عليه الأمر والنهي فإن نسخ الأمر يكون بالنهي ونسخ النهي بالأمر أو بالإباحة فيقتضي أن ما أمر به لحسنه كان قبيحا في ذاته وما نهي عنه لقبحه كان حسنا في نفسه أو غير قبيح والشيء الواحد لا يكون حسنا وقبيحا فكان القول بجواز النسخ مؤديا إلى القول بجواز البداء على الله عز وجل وذلك كفر; لأن البداء ينشأ من الجهل بعواقب الأمور فإنه عبارة عن الظهور بعد الخفاء من قولهم بدا لهم الأمر الفلاني إذا ظهر بعد خفائه وقوله تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47] {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} [الزمر: 48] أي ظهر لهم بعد الخفاء وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

والثاني أن الخطاب المنسوخ حكمه على زعمكم إما أن يكون دالا على التأقيت أو التأبيد وعلى التقديرين يمتنع قبول الخطاب النسخ أما إذا كان موقتا فلأن ارتفاع الحكم فيما بعد الغاية ليس بنسخ لانتهائه بانتهاء ذلك الوقت وشرط النسخ أن لا يكون كذلك, وإن كان دالا على التأبيد فكذلك إذ لو قبل النسخ مع التأبيد يلزم التناقص بالإخبار بأنه مؤبد وغير مؤبد ويؤدي أيضا إلى نفي الوثوق بتأبيد حكم بناء على احتمال النسخ ويستلزم ذلك أن لا يبقى لنا وثوق بوعد الله ووعيده ولا بشيء من الظواهر اللفظية ولا يخفى ما فيه من اختلال الشريعة والنجاء قول الباطنية إليها ويؤدي أيضا إلى جواز نسخ شريعتكم وأنتم لا تقولون به

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت