والدليل المعقول أن النسخ هو بيان مدة الحكم للعباد, وقد كان ذلك غيبا عنهم. وبيان ذلك أنا إنما نجوز النسخ في حكم مطلق عن ذكر الوقت يحتمل أن يكون موقتا ويحتمل البقاء والعدم على السواء; لأن النسخ إنما يكون في حياة النبي عليه السلام والأمر المطلق في حياته للإيجاب لا للبقاء بل البقاء
ـــــــ
يتزوج بنت نفسه فلم يكن تحريم البنت على غيره نسخا لحل الاستمتاع بالجزء إذا لم يثبت ذلك في حق غيره بل كان الحل منتهيا بوفاته كانتهاء الصوم بالليل وعلى الباقي أن الجمع والعمل بالسبت والختان كان مباحا بحكم الأصل وتحريم مباح الأصل ليس بنسخ.
وأجيب عن الأول بأن الأصل في كل شريعة ثبوتها على الإطلاق وبقاؤها إلى أن يوجد المزيل وعدم اختصاصها بقوم دون قوم إلا بمخصص فلا يثبت والتقييد بالاحتمال بل يحتاج إلى دليل ولم يوجد ولا يقال لا يصح التمسك بالأصل فيما نحن فيه; لأن هذه مسألة علمية فلا يكتفى فيها بالدليل الظني; لأنا نقول قد ثبت بالتواتر أمر آدم عليه السلام بتزويج بناته من بنيه, ولم ينقل تقييد وتخصيص فوجب إجراؤه ولا يقدح فيه الاحتمال الذي ذكرتم لكونه غير ناشئ عن دليل وبمثله لا يخرج الدليل القطعي إلى الظن على ما مر بيانه غير مرة قال الغزالي رحمه الله لو صار الدليل ظنيا بكل احتمال لم يبق دليل قطعي لتطرق الاحتمال إلى جميع العقليات من دلائل التوحيد والنبوة وغيرها وعن الثالث بأن رفع الإباحة الأصلية نسخ عندنا; لأن الناس لم يتركوا سدى في زمان فالإباحة والتحريم ثبتا في جميع الأشياء بالشرائع في الأصل فكان رفعها رفعا لحكم شرعي فكان نسخا لا محالة, فأما الاعتراض الثاني فلا محيص عنه إن ثبت الاختصاص الذي ذكروه كما دل عليه الظاهر
قوله"والدليل المعقول أن النسخ"كذا يعني لو وقت الشارع حكما في ابتداء شرعه إلى غاية بأن قال شرعت الحكم الفلاني إلى الوقت الفلاني لصح ذلك من غير لزوم قبح وبداء, فكذا إذا بين أمده متراخيا عن زمان شرعه بالنسخ; لأن النسخ ليس في الحقيقة إلا بيان مدة الحكم التي هي غيب عن العباد لهم فلا يكون هذا من البداء في شيء. وبيانه أي بيان أن النسخ بيان المدة لا بداء أنا إنما يجوز النسخ في حكم يجوز أن يكون موقتا بعدما شرع وأن يكون مؤبدا ويحتمل البقاء بعدما شرع والعدم احتمالا على السواء, وإنما تعرض للاحتمالين; لأن النسخ توقيت بالنسبة إلى الماضي وإعدام بالنسبة إلى المستقبل والأمر المطلق في حياته للإيجاب لا للبقاء أي الأمر الوارد في حياة النبي عليه السلام يقتضي كون المأمور به واجبا من غير أن يتعرض لبقائه أصلا بل البقاء بعد الثبوت لعدم الدليل المزيل فكان ثابتا باستصحاب الحال لا بدليل يوجبه وهو الأمر السابق; لأن