بأسمائه وصفاته قديم لا يحتمل الزوال والعدم فلا يحتمل شيء من أسمائه
ـــــــ
الحاصل أن النسخ لا يجري في واجبات العقول, وإنما يجري في جائزاتها ولهذا لم يجوز جمهور العلماء النسخ في مدلول الخبر ماضيا كان أو مستقبلا; لأن تحقق المخبر به في خبر من لا يجوز عليه الكذب والخلف من الواجبات والنسخ فيه يؤدي إلى الكذب والخلف فلا يجوز. وقال بعض المعتزلة والأشعرية بجوازه في الخبر مطلقا إذا كان مدلوله متكررا والإخبار عنه عاما كما لو قال عمرت زيدا ألف سنة ثم بين أنه أراد به تسعمائة أو قال لأعذبن الزاني أبدا ثم قال: أردت به ألف سنة; لأنه إذا كان كذلك كان الناسخ مبينا أن المراد بعض ذلك المدلول كما في الأوامر والنواهي بخلاف ما إذا لم يكن متكررا نحو قوله أهلك الله زيدا ثم قوله ما أهلكه; لأن ذلك يقع دفعة واحدة فلو أخبر عن إعدامه وإيجاده جميعا كان تناقضا ومنهم من فصل بين الماضي والمستقبل فمنعه في الماضي وجوزه في المستقبل; لأن الوجود المتحقق في الماضي لا يمكن رفعه بخلاف المستقبل; لأنه يمكن منعه من الثبوت واستدل عليه بظاهر قوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39] وبقوله تعالى: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: 39 - 40] فإنه نسخ بعد سؤال الرسول عليه السلام بقوله عز ذكره: {ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ} [الواقعة: 39 - 40] . وبقوله تعالى لآدم: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى} [طه: 118] فإنه نسخ بقوله تعالى: {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} [طه: 121] وبظواهر آيات الوعيد مثل قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 93] {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا} [النساء: 14] وغيرها فإنها نسخت بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] وكل ذلك إخبار
والصحيح هو القول الأول لما بينا أن النسخ توقيت ولا يستقيم ذلك في الخبر بحال فإنه لا يقال: اعتقدوا الصدق في هذا الخبر إلى وقت كذا ثم اعتقدوا خلافه بعد ذلك فإنه هو البداء والجهل الذي يدعيه اليهود في أصل النسخ ونحن لا نسلم صحة إرادة تسعمائة من لفظ الألف ولا صحة ورود النسخ على ما التحق به تأبيد ما نبين, فأما قوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39] فقد قيل معناه ينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت بدله أو يتركه غير منسوخ وقيل يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة; لأنهم مأمورون بكتبة كل قول وفعل ويثبت غيره والكلام فيه واسع المجال وقوله تعالى: {ووثلة من الآخرين} [الواقعة 40] ليس بناسخ شيئا; لأنه لم يرفع حكما ثبت في الآية الأولى إذ الحكم في القليل المذكور فيها ثابت كما كان إلا أنه ألحق بهم