إبراهيم صلوات الله عليه في آخر الحال على أن المبتغى منه في حق الولد أن يصير قربانا بنسبة حسن الحكم إليه مكرما بالفداء الحاصل لمعرة الذبح مبتلى بالصبر والمجاهدة إلى حال المكاشفة وإنما النسخ بعد استقرار المراد بالأمر لا قبله, وقد سمي فداء في الكتاب لا نسخا فيثبت أن النسخ لم يكن لعدم ركنه والله أعلم بالصواب.
ـــــــ
الفداء كان هو ممتثلا للحكم الثابت بالأمر فلا يستقيم القول بالنسخ فيه; لأن ذلك يبتني على النهي الذي هو ضد الأمر ولا تصور لاجتماعهما في شيء واحد في وقت واحد فتبين به أن الحسن والقبح لم يجتمعا في شيء واحد لانتفاء النهي الموجب للقبح الناسخ للأمر بل نفى الأمر كما كان موجبا للحسن إلا أن الفعل انتقل إلى الشاة لما قلنا
قوله."وكان ذلك ابتلاء"كأنه جواب عما يقال ما الحكمة في إضافة إيجاب الذبح إلى الولد إذا لم يتحقق فعل الذبح فيه فقال كان ذلك ابتلاء في حق الخليل عليه السلام حتى يظهر منه الانقياد والاستسلام والصبر على ما به من حرقة القلب على ولده وفي حق الولد بالمجاهدة والصبر على معرة الذبح إلى حال المكاشفة واستقر حكم الأمر عند المخاطب وهو إبراهيم عليه السلام في آخر الحال على أن المبتغى أي المطلوب منه أي من الأمر في حق الولد أن يصير قربانا بهذه الجهة وهي نسبة الذبح إليه بأن يقال ذبيح الله لا أن يصير قربانا بحقيقة القتل مكرما خبر آخر ليصير أي وأن يصير مكرما بالفداء الحاصل لمعرة الذبح اللام متعلقة بالحاصل وضمن الحاصل معنى الدافع أي بالفداء الذي حصل دافعا لمعرة الذبح أي لشدته أو بالفداء الذي حصل لأجل دفع معرته مبتلى خبر آخر له أيضا أي وأن يصير مبتلى بالصبر والمجاهدة إلى حالة المكاشفة وهي حالة الفداء فإنه صبر إلى هذه الحالة وقال لأبيه {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} "الصافات: 102"وإليه أشار الله تعالى بقوله: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} "الصافات: 103"فتبين أنه ليس بنسخ وقد سمي أي ذبح الشاة فداء في الكتاب أي في كتاب الله تعالى في قوله: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} "الصافات: 107"والفداء اسم لما يكون واجبا بالسبب الموجب للأصل فثبت أن النسخ لم يكن لعدم ركنه وهو كونه بيانا لانتهاء الحكم الأول; لأن الحكم الأول وهو وجوب الذبح باق بعد صيرورة الشاة فداء وإذا لم يكن نسخا لم يلزم اجتماع الحسن والقبح في شيء واحد في زمان واحد لما ذكرنا.
"فإن قيل"لا نسلم أن ذبح الشاة وجب بحكم الأمر بالذبح المضاف إلى الولد; لأن أحدا لا يفهم من الأمر بذبح الولد ذبح الشاة بل نسخ ذلك الأمر بأمر مبتدأ مضاف إلى الشاة وانتهى نهايته كما ذهب إليه عامة الأصوليين وتبين أنه كان مأمورا بالاشتغال