السلام فكذلك في الزمان أيضا فصار الاختصاص في شرائعهم أصلا إلا بدليل. واحتج أهل المقالة الثالثة بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أصلا في الشرائع وكانت شريعته
ـــــــ
يكون وجوب العمل بها على أهل زمان دون أهل زمان آخر وأن ذلك الشرع يكون منتهيا ببعث نبي آخر فقد كان يجوز اجتماع النبيين في ذلك الوقت في مكانين على أن يدعو كل واحد منهما إلى شريعته فعرفنا أنه يجوز مثل ذلك في زمانين وأن المبعوث آخرا يدعو إلى العمل بشريعته ويأمر الناس باتباعه ولا يدعو إلى العمل بشريعة من قبله.
واحتج أهل المقالة الثالثة وهم الذين قالوا بأنها يلزمنا على أنها شريعتنا مطلقا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أصلا في الشرائع بدليل ما ذكر شمس الأئمة رحمه الله أن أخذ الميثاق على النبيين بالتصديق في قوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ} [آل عمران: 81] من أبين الدلائل على أنهم بمنزلة أمة من بعث آخرا في وجوب اتباعه ولهذا ظهر شرف نبينا صلى الله عليه وسلم, فإنه لا نبي بعده فكان الكل ممن تقدم وممن تأخر في حكم المتبع له وهو بمنزلة القلب يطيعه الرأس ويتبعه الرجل. وإذا كان كذلك لا يستقيم أن يكون متعبدا بشريعة من سلف; لأن فيه جعل الرسول كواحد من أمة من تقدمه وهذا غض من درجته وحط من رتبته واعتقاد أنه تبع لكل نبي تقدمه ولا يستجيز ذلك أحد من أهل الملة بل فيه التنفير عنه; لأنه لا يكون تابعا بعد أن كان متبوعا ومدعوا بعد أن كان داعيا.
فإن قيل: إن الأنبياء عليهم السلام كانوا قبله فكيف يكون هو أصلا في شرائع الذين مضوا قبله قلنا: لا يمنع تقدمهم في الزمان عن ذلك, فإن السنة الأربع قبل الظهر وهي تابعة له ولا يمنع عن كونه أصلا فالأنبياء مع تقدمهم مؤسسون بقاعدته, فإن المقصود من فطرة الخلق إدراكهم سعادة القرب من الحضرة الإلهية ولا يمكن ذلك إلا بتعريف الأنبياء عليهم السلام فكانت النبوة مقصودة بالإيجاب والمقصود كمالها لا أولها, وإنما يكمل بحسب سنة الله جل جلاله بالتدريج فتمهد أصل النبوة بآدم ولم يزل تنمو وتكمل حتى بلغت الكمال بمحمد صلى الله عليه وسلم فكان تمهيد أوائلها وسيلة إلى الكمال كتأسيس البناء, وتمهيد أصول الحيطان وسيلة إلى كمال صورة الدار التي هي غرض المهندسين ولهذا كان خاتم النبيين, فإن الزيادة على الكمال نقصان فثبت أنه هو الأصل في النبوة والشريعة, وغيره بمنزلة التابع له وكانت شريعته عامة لكافة الناس على ما قال به {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سبأ: 28] وغرض الشيخ من هذا أنه مبعوث إلى جميع الناس حتى وجب على المتقدمين والمتأخرين اتباع شريعته فكان الكل تابعا له. والدليل عليه أن عيسى عليه السلام حين ينزل إلى الدنيا يدعو الناس إلى شريعة محمد عليه السلام لا إلى شريعة نفسه