يكون للتأمل فلا يصلح حجة ولنا شرط النطق منهم جميعا متعذر غير معتاد بل المعتاد في كل عصر أن يتولى الكبار الفتوى ويسلم سائرهم ولأنا إنما نجعل
ـــــــ
يدل ظاهرا على الموافقة فيكون حجة يجب العمل بها كخبر الواحد والقياس وقد احتج الفقهاء في كل عصر بالقول المنتشر في الصحابة إذا لم يظهر له مخالف فدل أنهم اعتقدوه حجة إلا أنه لا يكون إجماعا مقطوعا به للاحتمالات المذكورة.
ووجه قول من اعتبر الأكثر أن يجعل الأقل تبعا للأكثر, فإذا كان الأكثر سكوتا يجعل ذلك كسكوت الكل, وإذا ظهر القول من الأكثر يجعل ذلك كظهور من الكل. وأما ابن أبي هريرة فقد تمسك بأن الموجود إذا كان حكما من بعض القضاة لا يدل السكوت من الباقين على الرضاء منهم; لأن حكم الحاكم يسقط الاعتراض; لأن في الإنكار اقتياتا عليه قال ونحن نحضر بعض الأحكام ونراهم يقضون بخلاف مذهبنا ولا ننكر عليهم ذلك ولا يكون سكوتنا رضاء منا بذلك بخلاف قول المفتي, فإن فتواه غير لازمة ولا مانعة من الاعتراض ووافقه أبو إسحاق فقال: إن الأغلب أن الصادر من الحاكم يكون عن مشورة والصادر عن فتوى يكون عن استبداد, فإذا صدر القول عن مشاورة دل ذلك على الإجماع, وإذا صدر عن استبداده لا يدل ذلك على الإجماع. وأما الجبائي فقال: انقراض العصر يضعف احتمالات المذكور; لأنه لا يبعد سكوت العلماء على مجتهد في مسألة ظنية لكن استمرارهم على السكوت في الزمن المتطور يبعد ويخالف العادة قطعا; لأنه إذا كان يتكرر تذاكير الواقعة والخوض فيها لم يتصور دوام السكوت من كل المجتهدين على تكرر الواقعة في حكم العادة ولهذا أظهر ابن عباس خلافا في مسألة العول من بعد فلذلك شرطنا انقراض العصر لصيرورته إجماعا.
قوله:"إن شرط النطق منهم جميعا متعذر"إلى آخره وبيانه ما ذكر شمس الأئمة رحمه الله أنه يشترط لانعقاد الإجماع التنصيص من كل واحد منهم على قوله وإظهار الموافقة مع الأخرس قولا إلا أنه لا ينعقد الإجماع; لأنه لا يتصور إجماع أهل العصر كلهم على قول يسمع ذلك منهم إلا وفي العادة إنما يكون ذلك بانتشار الفتوى من البعض وسكوت الباقين وفي اتفاقنا على كون الإجماع حجة وطريقا لمعرفة الحكم دليل على بطلان قول هذا القائل وهذا; لأن المتعذر كالممتنع ثم تعليق الشيء بشرط هو ممتنع يكون نفيا فكذا تعليقه بشرط هو متعذر وهذا; لأن الله تعالى رفع عنا الحرج كما لم يكلفنا ما ليس في وسعنا وليس في وسع علماء العصر السماع من الذين كانوا قبلهم بقرون فكان ذلك ساقطا عنهم فكذلك يتعذر السماع من جميع علماء العصر والوقف على كل واحد منهم في حكم حادثة حقيقة لما فيه من الحرج البين فينبغي أن يجعل اشتهار الفتوى من البعض والسكوت من الباقين كافيا في انعقادالإجماع.