رحمه الله: القطع لفظ خاص لمعنى مخصوص, فأنى يكون إبطال عصمة المال عملا به فقد وقعتم في الذي أبيتم.
ـــــــ
أيديهم لظاهر اللفظ وهذا جمع بين اعتبار اللفظ واعتبار المعنى في كلام واحد, وهو شائع لغة كالجمع بين تذكير المعنى وتأنيث اللفظ, وفي عين المعاني وقرأ ابن عباس والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما والصواب أيمانهم إلا أنه أراد أيمان اثنين منهم والعضو أن يجمع من اثنين; لأنهما اثنان من اثنين, واعلم بأن عندنا حكم السرقة قطع ينفي الضمان عن السارق حتى لو هلك المسروق عنده قبل القطع أو بعده أو استهلكه لا يضمن كما لو أتلف خمرا, وهو ظاهر المذهب. وروى الحسن1 عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه يضمن إذا استهلكه وقال الشافعي: رحمه الله عليه القطع لا ينفي ضمان العين عنه بل العين في حق الضمان كما لو لم يكن قطع, وكذا الحكم في السرقة الكبرى وحد الزنا قال; لأن الله تعالى أمر بالقطع بقوله: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ولم ينف الضمان صريحا ولا دلالة; لأن القطع اسم لفعل معلوم, وهو الإبانة ولا دلالة له على انتفاء الضمان وانقطاع العصمة أصلا, ولا هو من ضروراته أيضا; لأنهما مختلفان, اسما, وهو ظاهر, ومقصودا; لأن أحدهما شرع جبرا للمحل والآخر شرع زاجرا بطريق العقوبة ومحلا; لأن محل أحدهما اليد ومحل الآخر الذمة, وسببا; لأن سبب أحدهما الجناية على حق الله تعالى وسبب الآخر الجناية على حق العبد واستحقاقا, فإن مستحق القطع هو الله تعالى ومستحق الآخر العبد وإذا اختلفا من كل وجه لا يقتضي ثبوت أحدهما ثبوت الآخر ولا انتفاءه وقد دل الدليل على ثبوته, وهو العمومات الموجبة للضمان كقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] , وكقوله عز اسمه: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] وكقوله عليه السلام:"على اليد ما أخذت حتى ترد"2, فيجب القول به فمن قال بأن القطع يوجب انتفاء الضمان وإبطال العصمة لا يكون هذا عملا بهذا اللفظ الخاص بل يكون زيادة عليه بالرأي أو بخبر الواحد, وهو قوله عليه السلام:"لا غرم على سارق بعدما قطعت يمينه", وقد أبيتم ذلك, وفيه ترك العمل بالعمومات الموجبة للضمان أيضا. وقوله: أنى بمعنى كيف, وهو استفهام بمعنى النفي أي لا يكون إبطال عصمة المال عملا به.
ـــــــ
1 هو الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي توفي سنة 204 هـ.
2 أخرجه الترمذي في البيوع حديث رقم 1266 وأبو داود في البيوع حديث رقم 3561 والإمام أحمد في المسند 5/8/12/13 والحاكم 2/47.