والجواب أن ذلك ثبت بنص مقرون به عندنا, وهو قوله تعالى: {جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} [المائدة: 38] ; لأن الجزاء المطلق اسم لما يجب لله تعالى على مقابلة
ـــــــ
والجواب أن ذلك أي إبطال العصمة ثبت بنص يشير إلى إبطالها,"مقرون"بقوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} وقد يجوز أن يتغير النص بدليل يقترن به كقولك أنت حر نص في إثبات الحرية, فإذا اتصل به الاستثناء أو الشرط تغير موجبه, فكذلك ههنا غيرنا هذا النص الذي لم يوجب سقوط عصمة المحل, وهو قوله تعالى: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] , بدليل زائد اقترن به, وهو قوله: {جَزَاءُ} , وفي قوله مقرون به إشارة إلى نوع من التشنيع على الخصم, وهو أنه غفل عن الدليل القطعي المتصل بهذا الكلام من غير فصل ولم يطلع على إشارته ثم طعن من غير روية فيكون الطعن عائدا عليه, ثم بيان إشارته إلى ما ذكرنا أن الجزاء قد أطلق ههنا والجزاء إذا أطلق في معرض العقوبات يراد به ما يجب حقا لله تعالى بمقابلة أفعال العباد فتبين به أن وجوب القطع حق الله تعالى على الخلوص; ولهذا لم يتقيد بالمثل وما يجب حقا للعبد يتقيد به مالا كان أو عقوبة كالغصب والقصاص; ولهذا لا يملك المسروق منه الخصومة بدعوى الحد وإثباته ولا يملك العفو بعد الوجوب ولا يورث عنه وما يجب لله تعالى على الخلوص إنما يجب بهتك حرمة هي لله تعالى على الخلوص; ليكون الجزاء وفاقا وذلك بأن يثبت الحرمة لمعنى في ذاته كحرمة شرب الخمر والزنا لا لحق العبد; لأنه يصير حراما لغيره مباحا في ذاته بالإباحة الأصلية ومثل هذه الحرمة لا يوجب الجزاء لله تعالى كشرب عصير الغير والوطء في حالة الحيض. ثم إن الله تعالى جعل هذا المال قبل السرقة محترما لحق العبد على الخلوص ولم يستبق لذاته حقا حتى صح بذل العبد وإباحته ويجب الضمان له بإتلاف ولا يجب لله تعالى ضمان ثم أوجب الجزاء, وهو القطع بسرقته حقا لنفسه خالصا فعرفنا ضرورة أنه استخلص الحرمة لنفسه وإذا استخلصها لذاته وهي حرمة واحدة لا تبقى للعبد ضرورة كالعصير إذا تخمر وصار محترما حقا لله تعالى ولا يبقى حقا للعبد وكالأرض تتخذ مسجدا وصارت لله تعالى لا يبقى للعبد وكما لا يبقى للبائع إذا ثبت للمشتري بالبيع فهذا معنى قول الشيخ ومن ضرورته تحويل العصمة إليه, وظهر من هذا أن معنى قوله إبطال العصمة إبطالها على العبد بنقلها إلى الله تعالى لا إبطالها مطلقا.
"فإن قيل"لا نسلم أن الحرمة واحدة بل المال محترم لحق الله تعالى لوجود النهي فيجب القطع ومحترم أيضا لحق العبد كما كان لبقاء حاجته إليه فيجب الضمان كما في قتل الصيد المملوك في الحرم أو الإحرام وشرب خمر الذمي عندكم وكوجوب الدية مع الكفارة.