بعضهم من بعد لم يصح رجوعه عندنا, وقال الشافعي: يصح لأنه ما كان ينعقد إجماعهم إلا به فكذلك لا يبقى إلا به ولكنا نقول بعد ما ثبت الإجماع لم يسعه الخلاف وصار يقينا كرامة وفي الابتداء كان خلافه مانعا عندنا.وقال بعض الناس: لا يشترط اتفاقهم بل خلاف الواحد لا يعتبر ولا خلاف الأقل; لأن
ـــــــ
انعقاد الإجماع; فإنه روي عن جماعة من أصحابه أنهم كانوا يرون بيع أمهات الأولاد في زمان عمر رضي الله عنه منهم جابر بن عبد الله وغيره فلا يكون الإجماع منعقدا أيضا. وقول عبيدة: رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك دليل على أن مع عمر جماعة لا أن معه جميع الصحابة. وإنما اختار أبو عبيدة أن يكون قول علي منضما إلى قول عمر رضي الله عنهما لأنه كان يرجح قول الأكثر على قول الأقل وعلي لا يرى الترجيح بالكثرة بل بقوة الدليل.
قوله"فإذا رجع بعضهم من بعد"أي من بعد ما اتفقوا على حكم تقرير وبيان لثمرة الاختلاف, ولهذا قال بالفاء يعني لما ثبت أن الحق يثبت بنفس الإجماع من غير توقف على انقراض العصر لم يصح رجوع البعض عما اتفق الكل عندنا, وقال الشافعي رحمه الله: ومن شرط انقراض العصر يصح رجوعه; لأن في الابتداء ما لم يوجد الاجتماع من الكل عليه لا ينعقد الإجماع, فكذا في حال البقاء ما لم يوجد الاجتماع من الكل لا يبقى إجماعا; لأن الإجماع إنما صار حجة بطريق الكرامة بوصف الاجتماع على ما ذكرنا فإذا رجع البعض لم يبق وصف الاجتماع فلا يبقى استحقاق الكرامة ولا يبقى حجة بخلاف ما بعد الانقراض لبقاء الاجتماع وعدم تصور الرجوع وهذه النكتة تشير إلى أن عندهم ينعقد الإجماع لكن لا يبقى حجة بعد الرجوع وما ذكرناه أولا يدل على أنه لا ينعقد مع احتمال الرجوع, ولكنا نقول بعدما ثبت الإجماع من غير توقف على انقراض العصر لم يجز لأحد خلافه كما لو تحقق الانقراض; لأن باتفاقهم تبين أن الحق فيما اتفقوا عليه, وصار اتفاقهم دليلا قطعيا كرامة لهم فكان الرجوع مخالفة للدليل القطعي ومبينا أن إجماعهم انعقد على الخطأ فيكون مردودا بخلاف الابتداء; فإن خلاف البعض كان مانعا من انعقاد الإجماع فلم يثبت الحق بيقين فيجوز لكل واحد منهم العمل بما أدى إليه اجتهاده لاحتمال الصواب فظهر أن الابتداء مخالف للبقاء فلا يجوز اعتبار حالة البقاء به, والضمير في به ولم يسعه وخلافه راجع إلى البعض.
قوله"وقال بعض الناس لا يشترط اتفاقهم"يحتمل أن الشيخ رحمه الله ذكر هذا الكلام على سبيل المنع لما قاله الشافعي بعدما أجاب عنه كما ذهب إليه بعض الشارحين, يعني ما ذكر الشافعي أنه ما كان ينعقد إجماعهم في الابتداء إلا به ممنوع أيضا