واختلفوا في شرط آخر وهو أن لا يكون مجتهدا في السلف, فقد صح
ـــــــ
وكذا خلاف أبي طلحة; لأن الله تعالى قال: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] والصيام هو الإمساك ولا يتحقق الإمساك مع أكل البرد, وكذا خلاف ابن عباس في الربا مخالف للحديث المشهور, وهو قوله عليه السلام:"الحنطة بالحنطة مثل بمثل", ولهذا أنكرت الصحابة عليه ورجع إلى قولهم بعدما بلغه الخبر لا لأنه خالف الإجماع.
قوله"وتأويل قوله عليه السلام"جواب عن تمسك الخصم فقال: المراد من السواد الأعظم عامة المؤمنين أي جميعهم, ولهذا قال وكلهم تفسيرا وتأكيدا للعامة; لأن هذا اللفظ يطلق على الأكثر ممن هو أمة مطلقة أي ممن هو من الأمة على الإطلاق وهم المؤمنون الذين ليس فيهم أهواء وبدع; فإن الكفار وأهل الأهواء ليسوا من الأمة على الإطلاق بل هم أمة دعوة لا أمة متابعة. وذكر في الميزان أن المراد من السواد الأعظم هو الكل الذي هو أعظم مما دون الكل ويجب الحمل عليه توفيقا بين الدلائل السمعية كلها أو المراد من متابعة السواد الأعظم متابعة الأكثر, ولكن فيما إذا وجد الإجماع من جميع أهله, ثم خالف البعض بشبهة اعترضت لهم لأن رجوعهم ليس بصحيح بعد صحة الإجماع وانعقاده, وهو الجواب عن قوله من شذ شذ في النار; لأن الشاذ من خالف بعد الموافقة يقال: شذ البعير وند إذا توحش بعدما كان أهليا فإن قيل: هذا الحديث يقتضي أن يكون السواد الأعظم حجة على غيرهم إذ المخاطب لا يدخل فيمن أمر بملازمتهم واتباعهم فلو لم يكن مخالف لا يتحقق كونه حجة. قلنا: يلزم مما ذكرتم أن يكون في كل إجماع مخالف شاذ ليكون الإجماع حجة عليه ولا يكون حجة بدون المخالف وبطلانه ظاهر ثم نقول: يكون السواد الأعظم حجة على من يأتي بعدهم ممن هو أقل عددا من الأول فسمي الأول السواد الأعظم ويكون حجة على كل واحد منهم في منعهم عن الرجوع عن هذا القول, ويكون قوله عليكم خطابا لكل واحد أو يكون حجة عليهم في حق وجوب العمل والاعتقاد به; فإن الإجماع حجة لله تعالى على عباده في وجوب العمل والاعتقاد بموجبه كالنصوص. وأما قولهم لفظة الأمة تطلق على ما دون الكل فذلك من باب المجاز, ولهذا إذا شذ عن الأمة واحد يصح أن يقال الباقي ليس كل الأمة والأصل هو العمل بالحقيقة, وأما إمامة أبي بكر فلم تكن ثابتة قبل موافقة علي وسعد وسلمان بالإجماع بل بالبيعة من الأكثر وهي كافية لانعقاد الإمامة, ثم رجع هؤلاء إلى ما اتفق عليه العامة فتقرر الإجماع وتأكدت الإمامة إذ ذاك بالإجماع واعتبارهم الإجماع بالتواتر ليس بصحيح; لأن الإجماع إنما صار حجة بالنصوص الدالة على عصمة الأمة عن الخطأ والأكثر ليس كل الأمة وذلك غير معتبر في التواتر فافترقا.