ـــــــ
المجموع شرطا وسببا لاستحقاق العذاب يلزم منه أن لا يكون المشاقة بانفراده سببا لذلك, وهو خلاف النص والإجماع, وإذا كانت المشاقة بانفرادها سببا لذلك كان الاتباع بانفراده سببا له أيضا إذ لو لم يجعل سببا له لم يبق لذكره فائدة وصار كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} [الفرقان: 68] ، في أن كل واحد من الأمور الثلاثة سبب للإثم فإن قيل: الاستدلال بهذه الآية إنما يتم لو ثبت أن الاتباع عبارة عن مجرد الإتيان بمثل فعل الغير وليس كذلك, وإلا يلزم أن يقال المسلمون أتباع اليهود في الإيمان بالله ونبوة موسى عليه السلام بل متابعة الغير عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعله, فأما الآتي بمثل فعل الغير لا لأجل أن الغير فعله بل لأن الدليل ساقه إليه لم يكن متبعا للغير, وإذا كان كذلك حصل بين متابعة سبيل المؤمنين وبين متابعة غير سبيل المؤمنين واسطة وهي أن لا يتبع أحد أصلا بل يتوقف إلى ظهور الدليل, وإذا حصلت هذه الواسطة لم يلزم من تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين وجوب اتباع سبيل المؤمنين فيسقط الاستدلال قلنا: الاستدلال تام فإن المراد من الاتباع في الآية نفس الموافقة والسلوك بدليل أنه لو قيل فلان يتبع السبيل الفلاني يفهم منه نفس السلوك وبدليل أنه لو سلك غير سبيل المؤمنين من غير قصد إلى اتباع أحد بل لشبهة صرفته إليه كان مستحقا للوعيد بلا خلاف. ويؤيده قراءة عبد الله ويسلك غير سبيل المؤمنين فعرفنا أن المراد من الاتباع هاهنا نفس السلوك والموافقة, وإذا كان كذلك انتفت الواسطة التي ذكرها الخصم ولزم من حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين لزوم اتباع سبيل المؤمنين ضرورة.
يوضح ما ذكرنا أن شرب الخمر وترك الصلاة مثلا غير سبيل المؤمنين فإذا حرم عليه شرب الخمر وترك الصلاة لزم عليه ترك الشرب والتحرز عن ترك الصلاة وهما غير سبيل المؤمنين فثبت أنه لا واسطة بينهما فيلزم من انتفاء أحدهما ثبوت الآخر لا محالة.
فإن قيل: لفظ السبيل متروك الظاهر; فإن حقيقته الطريق الذي يحصل فيه المشي, وهو غير مراد منه فيحمل على ما يدل عليه ظاهر الكلام, وهو الطريق الذي صاروا به مؤمنين, وهو الإيمان وغيره, وهو الكفر بالله وتكذيب الرسول عليه السلام; فإن أحدا لو قال لغيره لا تتبع غير سبيل الصالحين فهم منه سبيلهم الذي صاروا صالحين لا سبيلهم في كل شيء حتى الأكل والشرب. ويؤيده أن الآية نزلت في طعمة بن أبيرق; فإنه سرق درعا والتحق بالمشركين مرتدا فنزل قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ} [النساء: 115] أي يخالفه {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى} [النساء: 115] أي ظهر له الدين الحق {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ}