فهرس الكتاب

الصفحة 1427 من 2201

تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران: 110] والخيرية توجب

ـــــــ

يجوز انقلاب ماء جيحون دما وانقلاب الجدران ذهبا وظهور الإنسان الشيخ لا من الأبوين دفعة واحدة ومع ذلك نقطع بأنه لا يقع, فكذا هاهنا وإن جوزنا من الله تعالى كل شيء ولكنه تعالى خلق فينا علما بديهيا; فإنه لا يعني لهذه الألفاظ إلا ظواهرها فكذلك أمنا عن الالتباس وعرفنا أن الظواهر قاطعة يجوز التمسك بها في الأحكام القطعية.

قوله: وقال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} كان عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع طارئ. ومنه قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 96] ومنه قوله عز وجل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} كأنه قيل: وجدتم وخلقتم خير أمة وقيل: كنتم في علم الله خير أمة وقيل كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة موصوفين به, {أُخْرِجَتْ} أظهرت, وقوله جل ثناؤه {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} كلام مستأنف بين به كونهم خير أمة كما يقال: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بمصالحهم وجه التمسك به على ما هو المذكور في عامة الكتب أنه تعالى أخبر عن خيريتهم بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ولام التعريف في اسم الجنس يقتضي الاستغراق فيدل على أنهم أمروا بكل معروف ونهوا عن كل منكر فلو أجمعوا على خطإ قولا لكانوا أجمعوا على منكر قولا فكانوا آمرين بالمنكر ناهين عن المعروف هو يناقض مدلول الآية. وعلى ما هو المذكور في الكتاب أنه تعالى أخبر عن خيريتهم بكلمة التفضيل; فإن كلمة"خير"هاهنا بمعنى التفضيل فتدل على النهاية في الخيرية وذلك يوجب حقية ما اجتمعوا عليه; لأنه لو لم يكن حقا لكانوا آمرين بالمنكر ناهين عن المعروف ومن كان بهذه الصفة لا يكون خيرا مطلقا فيلزم منه خلاف النص. وعبارة التقويم أن كلمة"خير"بمعنى أفعل فتدل على نهاية الخيرية ونفس الخيرية في كينونة العبد مع الحق والنهاية في كينونته مع الحق على الحقيقة فدل لفظ الخير, وهو بمعنى أفعل على أنهم يصيبون لا محالة الحق الذي هو حق عند الله تعالى إذا اجتمعوا على شيء وإن ذلك الحق لا يعدوهم إذا اختلفوا. فإن قيل: الآية متروكة الظاهر; لأنها تقتضي اتصاف كل واحد بوصف الخيرية والأمر بالمعروف والمعلوم خلافه, وإذا لم يمكن إجراؤها على الظاهر يحمل على أن المراد بعضهم, وهو الإمام المعصوم عندنا. قلنا: ليس المخاطب بقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} كل واحد من الأمة; لأنه يلزم منه وصف كل واحد من الأمة بأنه خير أمة والشخص الواحد لا يوصف بأنه أمة حقيقة ولأنه يلزم منه أن يكون كل واحد خيرا من صاحبه, وهو مستحيل فكان المخاطب به مجموع الأمة فكان هذا بمنزلة قول الملك لعسكره أنتم خير عسكر في الدنيا تفتحون القلاع وتكسرون الجيوش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت